حين تخلت فنلندا عن الحياد العسكري فقدت دورها الاستثنائي
خلال الحرب العالمية الثانية وبعد ان تحالفت فنلندا مع المانيا ضد الاتحاد السوفيتي في الحرب العالمية الثانية وخسرت المانيا الحرب.. دفع الفنلنديون ثمنا كبيرا من التعويضات الى السوفيت واجبرت البلاد على التنازل عن مساحات شاسعة من الأراضي التابعة لها لصالح السوفيت، وفقا لما نصت على ذلك معاهدة باريس للسلام التي عقدت عام 1947، تلك المعاهدة ليست الاطار الوحيد الذي نظم العلاقة بين فنلندا وبين الاتحاد السوفيتي بل إضافة لذلك كانت هناك “اتفاقية الصداقة والتعاون والمساعدة المتبادلة” التي وقعت في نيسان عام 1948 بين فنلندا والاتحاد السوفيتي.
نصت الاتفاقية على ان تبقى فنلندا بعيدة عن التحالفات الدولية العسكرية خصوصا التي تعادي الاتحاد السوفيتي وان تتكفل بمحاربة أي طرف يحاول الانطلاق من الأراضي الفنلندية لشن عدوان عسكري على الاتحاد السوفيتي، ويمكنها ان تستعين أيضا بالمساعدة من الاتحاد السوفيتي من اجل تحقيق ذلك. مقابل ذلك تبقى فنلندا بلدا ليبراليا ديموقراطيا بهوية غربية.
تلك الخسارة الكبيرة دفعت فنلندا بعد انتهاء الحرب مباشرة الى محاكمة الرئيس الفنلندي ريستو روتي وتحميله مسؤولية الخسارة والقرارات الخاطئة التي اتخذها.
كانت الاتفاقية أعلاه ركيزة أساسية في السياسة الخارجية لفنلندا طيلة النصف الثاني للقرن العشرين والتي ارساها الرئيس الفنلندي “باسيكيفي” ثم سار بنفس المسار الرئيس “كيكونن”، وبقية الرؤساء الفنلنديين، حيث استمرت الاتفاقية حتى العام 1992، اذ اعتبرت حينها لاغية بالاتفاق مع الاتحاد السوفيتي.
تلك الاتفاقية جعلت فنلندا خارج مشروع “مارشال” الأمريكي لإعادة اعمار أوروبا، أيضا جعلتها بنفس الوقت خارج “حلف الناتو” و”حلف وارشو”.
الحالة الخاصة التي تتمتع بها فنلندا سمح لها ان تكون قناة تواصل دبلوماسية مميزة مع المعسكرين الشرقي والغربي، ولهذا كانت محطة مميزة لانعقاد الكثير من القمم السوفيتية او الروسية والأمريكية، في الأعوام، 1975، 1990 وهي قمة الاتفاق على ضرب العراق بعد اجتياح الكويت، ثم قمة 1997 وقمة 2018.
أيضا كانت فنلندا محطة لانطلاق اتفاقيات هلسنكي عام 1975 التي خففت التوتر بين الشرق والغرب وتحولت لاحقا الى منظمة الامن والتعاون الأوروبي.
لكن الأمور تغيرت كثيرا منذ كانون الأول 2021 حينما أقدمت فنلندا على شراء ستين طائرة من نوع “اف 35″، وبعد ذلك انضمام فنلندا لحلف الناتو اثر الحرب الروسية الأوكرانية.
ناهيك عن توقيع فنلندا وامريكا في كانون الأول 2023 اتفاقية “DCA” اتفاقية دفاع مشترك تمكّن القوات الامريكية من دخول البلاد، والبقاء على الأرض، والتخزين المسبق للمواد واستثمارات البنية التحتية.
بهذا الاندفاع العسكري نحو الناتو وامريكا فان فنلندا تعرف جيدا انها فقدت ميزة دبلوماسية دولية مهمة كانت تتمتع بها وهي كونها قناة تواصل موثوق بها بين المعسكرين.. كانت تلك الميزة تجعلها دولة اكبر سياسيا ودبلوماسيا بكثير من حجمها وتأثيرها لكن اليوم عادت دولة بتأثير محدود يشابه بلدانا مثل استونيا ولاتيفيا.
فقدت مميزات فنلندا “النموذج الفنلندي المحايد عسكريا” ووضعت نفسها بموقف لا تحسد عليه.. لكن تلك التجربة المحايدة التي استمرت عشرات السنين تستحق الاهتمام اذ اثبتت فاعليتها لبلدان مثل فنلندا تقع على حافلة المحاور الدولية الكبرى.