الإطار الدستوري والقانوني لمقاضاة إرهابيي داعش في العراق
مع تصاعد الأزمة الطارئة في سوريا، وبخاصة بعد انهيار مناطق سيطرة تنظيم داعش في الشمال والشرق السوري، واجه العراق تحدياً جديداً تمثل في استقبال عناصر التنظيم المعتقلين لدى قوات سوريا الديمقراطية (قسد). والحقيقة لم يكن الأمر مجرد تدفق سجناء، بل تهديداً مباشراً للأمن الوطني، يستدعي استجابة سريعة وفعّالة من الدولة.
نتيجة لذلك، وجدت الحكومة العراقية نفسها مضطرة على استقبال هؤلاء المعتقلين، مدركة حجم الخطر الذي يشكله بقاؤهم خارج الرقابة القانونية. وجاء هذا القرار بهدف حماية الأمن الوطني ومنع عودة الإرهاب إلى الأراضي العراقية، مع الالتزام بضمانات قانونية ودستورية واضحة لكل الإجراءات المتخذة، بما يتوافق مع المادة (9) من الدستور العراقي التي تؤكد أن الدولة مسؤولة عن حماية أراضيها ومواطنيها، وضمان الأمن العام.
وانطلاقاً من دوره الوطني وحرصه على تطبيق القانون بما يحفظ أمن المجتمع، تولى القضاء العراقي مسؤولية محاكمة هؤلاء الإرهابيين. وقد أبدى استعداده الكامل لتنفيذ هذه المسؤولية بما يتفق مع أحكام الدستور العراقي وقانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005، لضمان مقاضاة الإرهابيين بطريقة قانونية ودستورية تحمي المجتمع وتمنع أي تهديد محتمل، مع الالتزام التام بحقوق الدفاع والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.
غير أن الغريب في الأمر، أن البعض، مدفوعاً بأسباب سياسية أو غير ذلك، أبدى بعض الاعتراضات حول مدى صلاحية القضاء العراقي لمحاكمة إرهابيين ارتكبوا جرائم دولية أو كانوا أعضاء في تنظيم عابر للحدود. كما أثارت بعض الجهات مخاوف بشأن ضمان حقوق الدفاع وشفافية الإجراءات في ظروف استثنائية، فضلاً عن التساؤل حول إمكانية تأثر الأحكام بالضغوط السياسية.
وللرد على هذه الاعتراضات، لابد من إيضاح أمر هام مفاده أن القضاء العراقي في قراره الهام كان مستنداً إلى واقع قانوني ودستوري مفاده أن المحاكم الوطنية مخولة بالاختصاص الكامل لمقاضاة كل من ارتكب جرائم على الأراضي العراقية، بما في ذلك الإرهاب الدولي، استناداً إلى المادة (87) من الدستور التي تكفل استقلال القضاء، وضمان نزاهته وحياده.
ولابد من الإشارة في هذا المحال أن الاختصاص الإقليمي للقضاء العراقي يمنحه الحق الكامل في تتبع هؤلاء الإرهابيين والتحقيق معهم ومقاضاتهم. فكل الجرائم المرتكبة داخل الأراضي العراقية، أو التي تمس الأمن الوطني، تخضع للسلطة القضائية الوطنية، وفق المادة (87) من الدستور. كما يتيح قانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005 للمحاكم صلاحيات واضحة وصريحة لملاحقة هؤلاء المجرمين، سواء ارتكبت أفعالهم داخل العراق أو عادوا إليه بعد ارتكاب الجرائم خارج حدوده، بما يضمن حماية الأمن الوطني وعدم إفلاتهم من العقاب.
حيث إن قانون مكافحة الإرهاب يتضمن نصوصاً صريحة تمكن القضاء العراقي من مقاضاتهم ومحاكمة المجرمين منهم، وفق أحكام المادة (4) من قانون مكافحة الإرهاب.
ان هذه الخطوات القضائية العاجلة تعد ضرورية وحاسمة، ليس فقط لتحقيق العدالة، بل لضمان عدم عودة تنظيم داعش إلى العراق. فبقاؤهم بعد ترك قسد يعني عودة الإرهاب مجدداً وتهديداً مباشراً للأمن الوطني. لذلك كانت المحاكمات خطوة دستورية وقانونية وأمنية متكاملة، تعكس قدرة الدولة على مواجهة الإرهاب بكل حزم، حماية المواطنين، وضمان سيادة القانون واستقرار المجتمع، بما يتوافق مع مبادئ الدستور العراقي وقانون مكافحة الإرهاب رقم (13) لسنة 2005.
وتجسد هذه المحاكمات قوة القضاء العراقي وإصراره على حماية المجتمع، وهي خطوة هامة في حفظ الأمن واستقرار الدولة، تؤكد أن القضاء العراقي قادر على مواجهة الإرهاب بحزم وحياد، مع الحفاظ على سيادة القانون ونزاهة العدالة.