أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (14)

مقالات 05 March 2026
بقلم: نزار حيدر

{فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَوْمِهِ مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُرِيدُ أَن يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنزَلَ مَلَائِكَةً مَّا سَمِعْنَا بِهَٰذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ}.

  إِنَّ واحدةً من أَهمِّ أَسبابِ رفضِ النَّصيحةِ أَو التَّحذيرِ أَو حتِّى الإِصغاءِ لفكرةٍ جديدةٍ لدى البَعض هو الخَشيةَ من أَن يتفضَّلَ عليهمِ النَّاصح! فيكونُونَ مدينينَ لهُ! ومَن هو حتَّى [يتفضَّلَ] عليهِم؟!.

  هذهِ العقليَّةُ السَّخيفةُ هي التي كانَت ترفُضُ الإِيمانَ بالرَّسلِ والأَنبياءِ ولا تقبَل بمشاريعِ الإِصلاحِ التاريخيَّة الكُبرى كَونهُم بشرٌ مثلاً وليسُوا ملائِكة! والله تعالى يُسفِّهُ طريقةَ تفكيرهِم هذهِ ويفضحَها ويُعرِّيها {وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَىٰ وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْكُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وَلَـٰكِنَّأَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ}.

  ١/ فما الضَّيرُ لَو تفضَّلَ عليكَ أَحدٌ بنصيحةٍ أَو تحذيرٍ أَو مشرُوعٍ؟! أَينَ الخطأُ في ذلكَ؟! ولماذا كُلَّ هذهِ الحسَّاسيَّة التي تُضيِّعُ الفُرصَ؟! أَولم يقُل تعالى {وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ}؟! والتي يشرحَها أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) بالقَولِ {يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ عَضُوضٌ يَعَضُّ الْمُوسِرُ فِيه عَلَى مَا فِي يَدَيْه ولَمْ يُؤْمَرْ بِذَلِكَ قَالَ اللَّه سُبْحَانَه (ولا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) تَنْهَدُ فِيه الأَشْرَارُ وتُسْتَذَلُّ الأَخْيَارُ ويُبَايِعُ الْمُضْطَرُّونَ وقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله عَنْ بَيْعِ الْمُضْطَرِّينَ}.

  ولذلكَ فهوَ (ع) يُحذِّرُ من مغبَّةِ استعمالِ البخيلِ كمُستشارٍ للأَسبابِ التَّاليةَ {ولَا تُدْخِلَنَّ فِي مَشُورَتِكَ بَخِيلًا يَعْدِلُ بِكَ عَنِ الْفَضْلِ ويَعِدُكَ الْفَقْرَ}.

  فضلٌ واحِدٌ فقط أُرفضهُ ولا تقبل بهِ أَلا وهوَ الفضلُ الذي يتبعهُ [مَنٌّ وأَذى] فالله تعالى فقط هو صاحِبُ المنِّ على عبادهِ {لَقَدْ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًۭا مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا۟ عَلَيْهِمْ ءَايَـٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلْكِتَـٰبَ وَٱلْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا۟ مِن قَبْلُ لَفِى ضَلَـٰلٍۢ مُّبِينٍ}.

  أَمَّا العبادُ فلا يجوزُ لهُم أَن يمنُّوا على بعضهِم بأَيِّ فضلٍ يُنفقُونهُ.

  يقولُ تعالى {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالْأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا ۗ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ}.

  وأَقبحُ من ذلكَ عندما يمُنُّ العبدُ على ربِّهِ! {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا ۖ قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}.

  ولقد قالَ رسولُ الله (ص) كما ذكرَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {يَا عَلِيُّ إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ ويَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ ويَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ ويَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ ويَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ والأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ والسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ والرِّبَا بِالْبَيْعِ}.

  ٢/ والعكسُ هو الصَّحيح فالفضلُ المُتبادَل بينَ النَّاسِ خاصَّةً في الأُسرةِ أَو في المُجتمعِ الواحدٍ دليلٌ على حالةِ التَّفاهُمِ والتَّعاونِ والإِنسجامِ والتَّفاني والتَّمكينِ فلماذا نخشى الفضلُ بينَنا؟! فقد يكونُ اليَوم هو صاحِبُ الفضلِ عليكَ بنصيحةٍ حسنةٍ، وفي الغدِ ستكونُ أَنتَ صاحبُ الفضلِ عليهِ فتردُّ لهُ جميلهُ [فضلهُ] بتحذيرٍ، وكُلُّ ذلكَ حالةٌ صحيَّةٌ جدّاً يلزم أَن نستوعِبها ونحترِمها ولا نخجَل أَو نهربَ مِنها، فالحياةُ لا تسيرُ مِن دونِ الفضلِ أَبداً!.

  ويبقى الله تعالى هوَ صاحِبُ الفضلِ الأَكبرِ على مَن خلقَ، وهو الذي يُؤتي الفضلَ لِمن يشاءُ من عبادهِ ويوفِّقهُ ليتفضَّلَ على غيرهِ من العبادِ {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

  وعندما يتفضَّلُ الله تعالى على عبدٍ بعلمٍ أَو مالٍ أَو سُلطةٍ أَو جاهٍ أَو منزلةٍ فإِنَّ من واجبهِ الإِنساني والدِّيني والأَخلاقي أَن يُنفقَ منهُ في المجتمعِ إِذ لا ينبغي إِحتكار الفَضل بأَيِّ شكلٍ من الأَشكالِ.

  يقولُ تعالى {الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۗ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا} وقولهُ تعالى {وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَّهُم ۖ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَّهُمْ ۖ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ}.

  لذلكَ يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) في وصيَّتهِ لكُميل بن زيادٍ {والْعِلْمُ يَزْكُوا عَلَى الإِنْفَاقِ} والإِنفاقُ فضلٌ.

  إِنَّ النُّفوسَ الضَّعيفَةَ لا تكتفي بالبُخلِ بفضلِ الله علَيها فلا تُنفِقُ منهُ شيئاً، بل تحسدُ الآخرين إِذا تفضَّلَ الله عليهِم! وكأَنُّهم يريدُونَ احتكارِ فضلِ الله تعالى لهُم فقط، وليتهُم يُنفقُونَ منهُ إِذا احتكرُوهُ!.

  وسُبحانَ القائِلُ {قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَّأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنفَاقِ ۚ وَكَانَ الْإِنسَانُ قَتُورًا}.

  يُريدونَ أَن يتحكَّمُوا بالفضلِ والله تعالى يقولُ {أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَىٰ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ ۖ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا} و {قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ}.

  بدلُ الحسَدِ ينبغي عليهِم أَن يفرحُوا ويقُولوا {مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ ۚ} و {سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ}.

  تعالُوا نقرأ سويَّةً الآيةَ المُباركةَ التي تعترِف بالفضلِ ثمَّ تنظِّمُ العلاقةَ وتحثُّ على التَّفاعلِ مع الفضلِ بشكلٍ إِيجابيٍّ {وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ۖ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ۗ أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.

  ويقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) في نصٍّ رائعٍ {طُوبَى لِمَنْ ذَلَّ فِي نَفْسِهِ وطَابَ كَسْبُهُ وصَلَحَتْ سَرِيرَتُهُ وحَسُنَتْ خَلِيقَتُهُ وأَنْفَقَ الْفَضْلَ مِنْ مَالِهِ وأَمْسَكَ الْفَضْلَ مِنْ لِسَانِهِ وعَزَلَ عَنِ النَّاسِ شَرَّهُ ووَسِعَتْهُ السُّنَّةُ ولَمْ يُنْسَبْ إلَى الْبِدْعَةِ}.

  فالفضلُ فضلان، فضلٌ محمُودٌ وفضلٌ مذمُومٌ! أَنفِق الأَوَّل وأَمسِك الثَّاني.

الوسوم: نزار حيدر