من باب الأمر بالمعروف.. لا تكسروا الحشد الشعبي

مقالات 07 March 2026
بقلم:حيدر عاشور

الآن ونحن في سفينة شهر رمضان راكبون، والنفوس تتزود بزاد الإيمان والتقوى، مستلهمة من صيامه مبادئ وقيم الإسلام بتعاليمه السامية التي أرادها الله تعالى منارة تهدي الناس للخير والصلاح وجليل الأعمال. ومن باب الأمر بالمعروف أجد اليوم أن الواجب المهني يدعوني كما يدعو كل الأقلام المؤمنة من أبناء العراق كي تدعو الآخرين من جلدتها إلى الانتماء للوطن والأرض الطيبة التي يؤكل من طيبها طيبات لا تعد ولا تحصى.. ويعبر عن انتمائه الحق للعراق ليس بالأقوال والشعارات والكلمات، وإنما بالأفعال والوطنية التي تعلّي من شأنه.

ولا يمكن أن نصل إلى هذا المستوى الراقي من العبادة إلا من خلال الإخلاص لله تعالى، ومن خلال الجد والاجتهاد والتفاني في العمل والعطاء.. ولا فرق بين منصب وآخر، ولا بين مسؤولية وسواها، ولا بين كبير وصغير، ولا بين رجل وامرأة. فالكل في عيون الوطن والعقيدة سواسية، والكل عليهم واجبات يفرضها حق الوطن والدين، وتحتمها ضرورة التكافل، والتعاون، والمساعدة والمساندة كي يأتي البناء - بناء الوطن متكاملاً كما وصت به المرجعية الدينية الرشيدة في الكثير من خطبها وبياناتها الحكيمة.

لكي ننال كل هذه العطاءات، وكي نصل بوطننا إلى معارج النمو والازدهار، ونبلغ كل أهدافنا النبيلة التي رسمتها لنا المرجعية الدينية العليا، وكي نحقق غاياتنا ومقاصدنا الشريفة في ظل راية الأب الروحي سماحة السيد السيستاني، أن نستفيد من عِبَر ودروس وأمثولات شهر رمضان المبارك، ويبادر كل منا حسب موقعه ومنصبه وقوة مسؤوليته وحسب دوره في خدمة العراق كي يحارب ويتصدى ويواجه آفات الفساد التي أخذت تتسلل إلى مواقع مؤسسات الدولة ودوائرها وقطاعاتها الوظيفية والمهنية قبل أن يستفحل خطرها وتتعاظم شرورها أكثر مما هو عليه الآن.

فمواجهة هذه الآفات الفاسدة اليوم أسهل وأقل صعوبة من الغد، حين تكون الشهادة من أجل الحياة نفسها، وهي تصون شرف الإنسان ونبله وقيمه، بعد سلسلة من حلقات الصراع الحافل بالتعب المعيشي، وباحة الدم والسهر، والخوف من مجهول أو من فئة تكفيرية مثل (داعش) أو فئات تخريبية لها أهدافها في تفكيك الوطن وعزل وتصفية التعاطف الدولي مع الحكومة العراقية، ولا تزال المؤامرات تُحاك ضد هذا الشعب الذي يبحث عن حياة كريمة خاصة به، حياة تليق به إنسانًا يحنو على إنسانيته ويحافظ على ما تبقى من تاريخه المشرف والنبيل بكل عقائده المذهبية والوطنية. وما كان لهذه المبادئ والقيم أن توجد، وما كان لها أن تُصان أو تزدهر وتنمو إلا إذا كان العراق أرضًا وتراثًا مصانًا ومتينًا وشامخًا وعاليًا.

ففي ظل وطن فيه رجال يصنعون الأمان يظل للحياة معنى، ولنبل الروح دفء مميز، وللأمان دلالة واضحة من العيش الكريم. لذلك كانت الحياة الكريمة قرينة بالشهادة العظيمة من أجل الوطن والإنسان، ووريفًا للتضحية المدهشة التي قدمها أبطال الحشد الشعبي، فلولاهم، ولولا دمائهم الزكية لما كان العراق وشعبه بهذا الوضع الحالي رغم كل النكبات والمحاولات من المهزومين والواهمين بالعودة إلى الفوضى الداعشية. وعلينا ألا ننسى شهداء الحشد الشعبي ودورهم الذي بقي في الذاكرة، وسجلته دفاتر المثقفين، وتغنت به قصائد الشعراء، ويقرؤه طلبتنا في كراسات المدارس، لكون دمهم الطاهر الشجاع والكريم سطعت طاقته الحية وقدرته الاستثنائية على تحرير وتطهير المحافظات التي دب فيها الإرهاب، وقدرته على حماية الحياة من عبث العابثين، والدفاع عن الأرض والمقدسات بكل فخر واعتزاز، فجعل من دمائهم نبلًا جريئًا وسيادة استطاعت أن تحفظ لنا سماء الوطن عالية متباهية.

كل ما تابعناه وتعلمناه وحفظته الذاكرة من حياة جديدة ندين بها لشهداء الحشد الشعبي.. لولاهما لم نكن بهذا الوجود، لولاهما لم تكن المقدسات بهذا الشموخ، ولم يكن هواء المدن المقدسة بهذا النقاء. فلا أقدس ولا أبقى من قصائد تكتب وحروف تصاغ لشهيد افتدى هواء العراق بدمه. فحياة كل العراقيين بفضل دماء الحشد الشعبي.. هي لآلئ ساطعة خالدة يفخر بها الإنسان أينما كان، يراها فيبكي لسلامته ويقرأ الفاتحة لها فلولاها لم تكن لحياته قيمة.

• نقطة ضوء... شهر رمضان شهر عبادة، حب الوطن عبادة، العمل عبادة، التعاون عبادة.