أَسْحارٌ رَمَضانِيَّةٌ.. السَّنةُ الثَّالِثَةُ عشَرَة (23)
{وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا ۘ اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ}.
مهما علا صُراخَ [الإِلهَ المزعُوم] لخِداعِ النَّاسِ وتضليلِ الرَّأي العامِّ، تبقى الحقيقةُ واضحةٌ وضوحَ الشَّمس في رابعةِ النَّهار، فليسَ كُلَّ النَّاسِ يُحبُّونَ سَماع الصَّوت الذي يُطربونَ عليهِ! فهُناكَ مَن يُحِبُّ سَماعَ صَوت الحقيقةِ مهما كانَ خطيراً أَو قاسِياً!.
فالمُشكلةُ في المُغفَّلينَ الذين لا يُريدُونَ أَن يأخذُوا بالحقيقةِ ويصدِّقونها ويعملُون على هُداها، معَ سبقِ الإِصرارِ.
تقولُ الآية الكرِيمة تحدِّثُنا عن هذهِ الحقيقةِ {وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ}.
هذا يعني أَنَّ الحقيقةَ واضِحةٌ عندهُم يرَونَها بأَعيُنهِم لكنَّهم يرفضُونَ أَن يعتمِدُونها فيتَّخذُوها سبيلاً في حياتهِم وسلوكهِم وفي علاقاتهِم، لدرجةٍ أَنَّك إِذا أَلححتَ على أَحدهِم وكرَّرتَ عليهِ النَّصيحةَ والتَّحذيرِ لتبيينِ الحقيقةِ وتنبيههِ إِلى التَّضليل الذي يعيشهُ والخِداع الذي ركبَ عقلهُ وتفكيرهُ يسعى هوَ لخداعِك بالقَولِ {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ}.
فهوَ يحاولُ أَن يتخلَّصَ من ضغوطاتِكَ وإِلحاحكِ للتهرُّبِ منكَ وليسَ لأَنَّهُ اقتنعَ! بإِيهامكَ بأَنَّهُ بالفِعلِ قد سمعَ منكَ وقبِلَ النَّصيحةَ وأَخذَ بالتَّحذيرِ، هرباً وليس واقعاً، وهي الحالةُ التي نسمعَها ونعيشها كثيراً في علاقاتِنا الإِجتماعيَّة وعلى مُختلفِ المُستوياتِ، فنسمعَ قولَهم [وصلَت الفِكرة] وهي لم تصلهُ أَو في الحقيقةِ لم يشأ أَن تصلهُ لأَيِّ سببٍ كانَ!.
والحلُّ معهُم في قولهِ تعالى {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا}.
طبعاً هذهِ هي القاعدةُ أَمَّا استثناءَها فبالتأكيد هُناكَ مَن يتوقَّف ليُحاسبَ نفسهُ ويصحِّح مساراتهِ ولو بعدَ حينٍ، كما تحدِّثنا عن ذلكَ الآيةَ الكريمةَ {وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}.
أَمَّا السَّحرةُ الذينَ يمارِسُونَ الخِداعَ والتَّضليلَ عادةً، والذين يُطلقُ عليهِم بالمُصطلح المُعاصر بالذُّبابِ الأَليكتروني، فيتطلَّعونَ في خدمتهِم للطَّاغوتِ لأَمرَينِ اثنَينِ؛
*الأَجر [أَقلامٌ وأَصواتٌ وظهُورٌ مأجورٌ مدفُوع الثَّمَن].
*وأَن يكونُوا من حاشيةِ الظَّالمِ الفاسدِ ومن المُقرَّبينَ إِليهِ يلحسُونَ قِصاعهُ!.
يقولُ تعالى {وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ* قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}.
لخداعهِم وتضليلهِم، إِذن، ثمَنٌ يقبِضونهُ!.
يصفُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) حالَ بعض الذينَ كانُوا يشترطُونَ الثَّمن قبلَ مُبايعةِ الطَّاغوت بقولهِ {ولَمْ يُبَايِعْ حَتَّى شَرَطَ أَنْ يُؤْتِيَهُ عَلَى الْبَيْعَةِ ثَمَناً فَلَا ظَفِرَتْ يَدُ الْبَائِعِ وخَزِيَتْ أَمَانَةُ الْمُبْتَاعِ}.
أَمَّا الرُّسُلُ والأَنبياءُ والمُصلِحُونَ فليسَ في حِساباتهِم ثمنٌ ينتظِرُونهُ {يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا ۖ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِيفَطَرَنِي ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ}.
فهُم يُجاهِدُونَ ويُضحَّونَ من أَجلِ التَّغييرِ والإِصلاحِ ولا ينتظِرُونَ [خِدمةً جِهاديَّةً] مثلاً!.
ولسنا بحاجةٍ هُنا للتَّذكيرِ بأَنَّ واحدةً من مهامِّ السَّحَرةِ [الذُّباب الأَليكتروني] هي التَّزوير بِكلِّ أَشكالهِ لخداعِ المُغفَّلينَ، والذي يُمارسونهُ تارةً بحقِّ نصٍّ وتارةً بحقِّ شخصٍ عندما يريدونَ أَن يُمارسُوا ضدَّهُ سياسةَ التَّسقيط والتَّشويهِ المُتعمَّد!.
يقولُ تعالى {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ}.
ومن الواضحِ فإِنَّ التَّزويرَ تجارةٌ رائجةٌ في عالمِ اليومِ والذي يتحكَّمُ فيهِ ويدعمهُ الذَّكاء الإِصطناعي [AI].
كما أَنَّ الكُتمانَ وإِخفاء المعلومَة الصَّحيحة تجارةٌ رائجةٌ يقبضُونَ عليها ثمنٌ {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۙ أُولَٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ}.
والغريبُ أَنَّ بعضَ التَّزويرِ مفضوحٌ جدّاً يكتَشفهُ حتَّى [الحِمار] إِلَّا أَنَّكَ ترى أَنَّ المُغفَّلينَ يتداولونهُ على نِطاقٍ واسعٍ وكأَنَّهُ حقائقَ وهؤُلاء ليسُوا {إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ}! وهُم من الصِّنف الأَخير الذي تذكُرهُ الآيةَ الكريمةَ من المخلوقاتِ {وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً ۚ وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.