ضريبة الاتصالات والإنترنت: من "إنجاز" الإلغاء في بداية "الولاية" إلى إعادة فرضها في نهايتها!
وبينما يبرز تناقض واضح بين توجه حكومي سابق كان يهدف إلى تخفيف العبء الضريبي عن المواطنين، وبين توجه لاحق يسعى إلى تعظيم الإيرادات المالية، ما فتح باب الجدل حول مدى اتساق السياسات المالية وتأثيرها المباشر على قطاع الاتصالات والمستخدمين في العراق، يحذر خبراء أن القرار صدر عن السلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء، وليس بموجب قانون صادر عن مجلس النواب العراقي، ما يشكل انتهاكاً مباشراً لمبدأ الشرعية لان فرض الضرائب يعد اختصاصاً حصرياً للسلطة التشريعية، وليس من صلاحيات السلطة التنفيذية.
قرار حكومي يضر المواطنين
ويقول الخبير القانوني أمير الدعمي، إن “الدستور العراقي نص في المادة 28 أولاً على أنه لا تجبى الضرائب ولا تعفى إلا بقانون، وعلى أن لا تمس حياة المواطن، ولا سيما أصحاب الدخول المنخفضة”، مشيراً إلى أن” القرار الحكومي الأخير لا ينسجم مع ما نص عليه الدستور ويمس حياة المواطن مساساً مباشراً”.
ويضيف، أن “فرض هذه الضريبة سبق أن طبق في وقت سابق، لكن على شركات الهاتف النقال وليس على المواطنين، في حين ما يحدث اليوم يمثل حالة معكوسة، إذ أصبح المواطن هو من يتحمل العبء الأكبر من هذه الضريبة”.
قرار ارتجالي وغير مدروس
ويوضح، أن “هذا القرار بات مدار جدل واسع، لأن الحكومة الحالية تعد حكومة تصريف أعمال، ولا يحق لها رسم سياسات مستقبلية للبلد أو اتخاذ قرارات ذات آثار طويلة الأمد، لذا يبدو القرار ارتجالياً وغير مدروس من الناحية الدستورية”.
وأثار قرار حكومة تصريف الأعمال برئاسة محمد شياع السوداني بإعادة فرض ضريبة بنسبة 20% على خدمات الإنترنت وكارتات تعبئة الهاتف المحمول جدلاً واسعاً في البلاد بشأن السياسة الضريبية وتأثيرها المباشر على المواطنين.
القرار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 آذار الجاري، أعاد العمل بضريبة كانت قد ألغيت عام 2022، لكنه طبق هذه المرة بصيغة مختلفة، إذ تضاف الضريبة مباشرة إلى سعر الخدمة التي يدفعها المستخدم، بدلاً من فرضها على شركات الاتصالات كما كان معمولاً به خلال حكومة حيدر العبادي (2014 – 2018).
وأعاد القرار فتح النقاش حول أثر الضرائب على كلف خدمات الاتصالات والإنترنت في العراق، ولا سيما في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين على هذه الخدمات في حياتهم اليومية.
قرار غير دستوري
ويبين الدعمي، أن “القرار يعد غير دستوري ما لم يكن قد أُدرج ضمن قانون الموازنة الذي صوت عليه مجلس النواب عندما كانت الحكومة بكامل صلاحياتها، إذ يمكن في هذه الحالة رفع ضريبة الكارت على المواطن ضمن السياق القانوني للموازنة”.
ويؤكد، أن “القرار، في حال لم يكن منصوصاً عليه أو مصوتاً عليه داخل البرلمان، فإنه يعد قراراً غير دستوري، وأن الحكومة تتحمل تبعاته ونتائجه، خصوصاً أنه يمس دخل المواطن بصورة مباشرة”.
إلغاء الضريبة في 2022
وفي (22 تشرين الثاني 2022) أكد رئيس هيئة الإعلام والاتصالات السابق علي المؤيد أن الهيئة ستطبق قرار مجلس الوزراء بإلغاء ضريبة 20% على مبيعات كارتات الهاتف النقال بعد وصوله من المجلس.
وقال المؤيد حينها، إن العراق مر عام 2015 بحالة تقشف نتيجة انخفاض أسعار النفط، ما دفع الحكومة حينها إلى فرض ضريبة على مبيعات كارتات الموبايل، مضيفاً أن ارتفاع أسعار النفط والإيرادات حالياً جعل من الضروري إلغاء هذه الضريبة.
وأضاف، أن مجلس الوزراء دعم رؤية هيئة الإعلام والاتصالات بإلغاء هذه الضريبة، مؤكداً أن الهيئة ستعمل على تطبيق القرار بعد وصوله رسمياً من المجلس، معتبراً أن إلغاءها سيكون في مصلحة المواطنين، لاسيما وأن مبلغ 20% المضاف للكارت كان يمثل عبئاً مالياً يتحمله المستخدمون، رغم أن خدمات الاتصالات والإنترنت تعد حاجة أساسية للمواطنين.
كما أكدت وزيرة الاتصالات هيام الياسري، وقتها، في مؤتمر صحفي، أن أسعار شراء كارتات الهاتف النقال ستعود كما كانت ابتداءً من 1 كانون الأول 2022.
وأضافت، أن مجلس الوزراء صوت خلال جلسته على إلغاء ضريبة 20% المفروضة على كارتات الهاتف النقال، مؤكدة أن الأسعار ستعود إلى ما كانت عليه سابقاً كما هو مكتوب على الكارت، داعية المواطنين إلى عدم دفع أي زيادة على السعر المحدد.
وفي (22 تشرين الثاني 2022) قرر مجلس الوزراء العراقي إلغاء ضريبة المبيعات على بطاقات التعبئة للهاتف النقال البالغة 20%، على أن يدخل القرار حيز التنفيذ اعتباراً من (1 كانون الأول 2022).
إعاقة مسار التنمية الرقمية
ويقول المهندس الاستشاري والخبير في الاتصالات رضا خضر الياس، إن أسعار الإنترنت الثابت في العراق تعد من الأعلى عالمياً، مبيناً أن فرض ضريبة إضافية بنسبة 20% سيؤدي إلى زيادة الأسعار بصورة أكبر، الأمر الذي سيُعيق مسار التنمية الرقمية ويعرقل جهود تحقيق الشمول الرقمي في البلاد.
ضريبة مبيعات لا رسوم خدمة
ويضيف الياس، إن “القرار من الناحية القانونية يعد ضريبة مبيعات بنسبة 20% تفرض جبراً على المواطنين، وليست أجور خدمة كما يروج لها”، موضحاً أن “خدمات الإنترنت تدفع أجورها مقدماً من قبل المستخدمين، كما أن المبالغ المستحصلة ستؤول إلى الخزينة العامة للدولة، ما يعني أن النسبة المفروضة تعد ضريبة حقيقيةً وليست رسماً مقابل خدمة”.
انتهاك للشرعية الضريبية
ويشير خبير الاتصالات إلى أن “القرار يتضمن عدداً من المخالفات القانونية، فضلاً عن تعارضه مع أحكام المادة 28 من الدستور العراقي، التي تنص على أنه لا تفرض الضرائب والرسوم ولا تعدل ولا تجبى ولا يعفى منها أحد إلا بقانون”.
ويبين الياس، أن “القرار صدر عن السلطة التنفيذية ممثلة بمجلس الوزراء، وليس بموجب قانون صادر عن مجلس النواب العراقي، ما يشكل انتهاكاً مباشراً لمبدأ الشرعية الضريبية”، مؤكداً أن”فرض الضرائب يعد اختصاصاً حصرياً للسلطة التشريعية، وليس من صلاحيات السلطة التنفيذية”.
السوداني يثبت الضريبة بعد أن ألغاها
وقال رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني في مؤتمره صحفي بعد إلغاء الضريبة في عام 2022، إن هذه الضريبة فرضت عام 2015 خلال فترة التقشف التي مر بها العراق نتيجة انخفاض أسعار النفط، وثبتت لاحقاً في قوانين الموازنات، وكانت تستقطع من المواطنين عبر شركات الاتصالات.
وأوضح السوداني في حينها، أن الحكومة العراقية فرضت تلك الضريبة بنسبة 20% على بطاقات تعبئة الهاتف النقال لجميع خطوط الدفع المسبق وفواتير الدفع اللاحق وكذلك خدمات الإنترنت، مشيراً إلى أن المتابعة أظهرت أن الأموال تبقى لدى بعض شركات الاتصالات لشهرين أو ثلاثة أشهر وربما أكثر قبل تحويلها إلى الخزينة، معتبراً أن ذلك يمثل فساداً وتقصيراً.
كما أشار إلى أن هذه الضريبة أرهقت المواطنين خصوصاً الطبقات الفقيرة ومحدودي الدخل، لافتاً إلى أن إلغاءها يأتي ضمن إجراءات الحكومة للتخفيف عن كاهل المواطنين في ظل ارتفاع التضخم وصعوبة الأوضاع المعيشية.
ويظهر من المقارنة بين القرارين أن الحكومة في عام 2022 كانت تتجه نحو تخفيف الأعباء المالية عن المواطنين، إذ بررت إلغاء ضريبة الـ20% على بطاقات التعبئة آنذاك بأن الضريبة فرضت في ظروف تقشف عام 2015، وأن استمرارها أصبح يشكل عبئاً إضافياً على المواطنين، ولا سيما الطبقات الفقيرة ومحدودي الدخل، مع تحسن الإيرادات النفطية في تلك الفترة.
لكن في المقابل، عادت الحكومة في (15 آذار 2026) إلى تطبيق الضريبة نفسها، وهو ما يعكس تغيراً في أولويات السياسة المالية، إذ يبدو أن التوجه الحالي يركز على زيادة الإيرادات غير النفطية وتعزيز موارد الخزينة العامة، حتى وإن كان ذلك يعني تحميل المواطن كلفة إضافية على خدمات تعد اليوم من الحاجات الأساسية مثل الاتصالات والإنترنت.

