كيف تداوي المرضى بالصدقة؟

مقالات 08 April 2026
بقلم:حسن الهاشمي

هل يمكن التصدّق بنية الشفاء؟ هل يمكن أن يجعل الإنسان الصدقة وسيلةً للتقرب إلى الله تعالى، راجيا منه رفع المرض ودفع البلاء؟ قبل الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها، من المعلوم ان الصدقة ليست مجرد عطاء مالي، بل هي عبادة قلبية فيها إخلاص وتوكل، تُستجلب بها الرحمة الإلهية، ولكن كيف تكون الصدقة علاجا؟ في معرض الإجابة ان الصدقة وكما جاء في الروايات انها تدفع البلاء، وتجلب الرحمة، وتبعث على الطمأنينة والأمل، وهي خير وسيلة لتقوية العلاقة بالله تعالى، وعند الموائمة بين الأسباب الطبيعية والمعنوية، نتوصل الى ان الإسلام لا يدعو إلى ترك العلاج، بل إلى الجمع بين العلاج الطبي والعلاج الروحي (كالصدقة والدعاء) والصدقة ليست بديلاً عن الدواء، لكنها باب من أبواب الرحمة الإلهية، تُخفّف الألم، وتدفع البلاء، وتقرّب الشفاء بإذن الله، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (داووا مرضاكم بالصدقة) الكافي للكليني: ٤ / ٣ / ٥.

يُروى أن رجلاً كان له طفل مريض مرضا شديدا، وقد عجز الأطباء عن تشخيص حالته أو علاجه، فاشتدّ قلق الأب وحزنه، وفي ليلة سمع أحد العلماء يوصي بالحديث أعلاه، فأخذ الأب بالنصيحة، وخرج في صباح اليوم التالي، فتصدّق بما يستطيع بنية شفاء ولده، وكان قلبه مفعما بالرجاء والتوكل على الله.

لم تمضِ أيام قليلة حتى بدأت حالة الطفل تتحسّن تدريجيا، ثم شُفي بإذن الله، فازداد الأب يقينا بأن للصدقة سرا عظيما في دفع البلاء وجلب الرحمة، فالصدقة تفتح أبواب الفرج من حيث لا يحتسب الإنسان، ولا ننسى ان الإخلاص والنية الصادقة لهما أثر كبير في قبول العمل، والجمع بين الأسباب المادية (العلاج) والأسباب المعنوية (الصدقة والدعاء) هو منهج المؤمن، لاسيما اذا عرفنا ان رحمة الله واسعة، وقد يجعل الشفاء في عمل بسيط كالصدقة ولكن بنية صادقة، كم من مريضٍ أُغلقَت دونه أبواب الأرض، فلما طرق باب السماء بالصدقة، فُتحت له أبواب الرحمة.

إليك نماذج من سيرة أهل البيت (عليهم السلام) تُجسّد أثر الصدقة والرحمة في دفع البلاء وشفاء الأسقام، فانهم كانوا يوصون باستنزال الرزق ودفع البلاء بالصدقة، وانهم كانوا يؤكدون على ان الصدقة تقضي الدين وتخلف البركة وتدفع ميتة السوء، فمنهج أهل البيت (عليهم السلام) قائم على ربط العمل القلبي (الإخلاص) بالفعل الخارجي (الصدقة) واعتبار الصدقة وسيلة علاجية روحية، والتأكيد على أن الشفاء بيد الله، لكن للصدقة دور في استنزال الرحمة.

الصدقة ليست فقط إطعام فقير، بل هي استدعاء لعافيةٍ قد تأخرت، ورحمةٍ تنتظر من يطرق بابها، قال الإمام الكاظم (عليه السلام) - لما شكى رجل إليه في كثرة من العيال كلهم مرضى: (داووهم بالصدقة، فليس شئ أسرع إجابة من الصدقة، ولا أجدى منفعة على المريض من الصدقة) طب الأئمة للسيد عبد الله شبر: ١٢٣.

وكما عرفنا ان الصدقة سبب في دفع البلاء، ولكنها قد تكون سببا في تأخير بعض أنواع الموت المفاجئ أو السيّئ، وأنها تفتح باب الرحمة الإلهية التي قد تغيّر ما يُسمّى بـ القضاء المعلّق، ما يؤيّد هذا المعنى قول الإمام الصادق (عليه السلام): (داووا مرضاكم بالصدقة، وما على أحدكم أن يتصدق بقوت يومه؟! إن ملك الموت يدفع إليه الصك بقبض روح العبد، فيتصدق فيقال له: رد عليه الصك) بحار الانوار للمجلسي: ٩٦ / ١٢٣ / ٣٢.

لا عجب اذن أن نرى ملك الموت يُدفع إليه صكٌّ بقبض روح عبد، فإذا بالعبد يتصدّق، فيُقال: ردّ عليه الصك! ليس المقصود ظاهر العبارة، بل معناها العميق أن الصدقة تدفع البلاء، وتؤخّر القضاء المعلّق، وتستجلب الرحمة.

في العقيدة الإسلامية هناك قضاء محتوم لا يتغيّر، وهناك قضاء معلّق يتغيّر بالأعمال مثل الصدقة والدعاء وصلة الرحم، فالعبارة تعبّر بصورة رمزية عن هذه الحقيقة، ان العبد قد يكون على شفا بلاء أو خطر، فيدفعه الله عنه بسبب صدقته وإخلاصه، الحديث تصوير بليغ لعظمة الصدقة، وأنها قد تكون سببا في رفع بلاءٍ أو دفع موت مؤجل كان قريبا من الإنسان، ليس هذا مجرد توجيهٍ أخلاقي، بل هو منهج إلهي يربط الأرض بالسماء، ويجعل من العطاء طريقا لنزول الرحمة.

كم من مريضٍ ضاقت به السبل، وأُغلقت دونه أبواب العلاج، فلما طرق باب الله بصدقةٍ خالصة، فُتحت له أبواب العافية! وكم من بلاءٍ كان مُبرما، فردّته صدقةٌ في جوف الليل، لا يعلم بها إلا الله!.

لا تستهينوا بالصدقة، ولو كانت قليلة، درهمٌ تُخرجه بإخلاص، لقمةٌ تُطعمها فقيرا، مساعدةٌ تُقدّمها لمحتاج قد تكون سببا في شفاء مريض، تفريج كربة، دفع بلاءٍ لم تكن تعلم به، اجعلوا الصدقة رفيقة أيامكم، فإنها دواءٌ بلا ثمن، وشفاءٌ بإذن الله، وسببٌ لحياةٍ مباركة.

واعلم انه إذا اشتدّ عليك البلاء، فلا تطرق أبواب الناس فقط، بل اطرق باب السماء بصدقةٍ خالصة، فربّ صدقةٍ صغيرة، ردّت عنك قضاءً عظيما.