ماذا بعد موافقة ترامب على هدنة الأسبوعين: خرج منها بطة وليس أسداً
ماتزال تفاصيل الموافقة على المقترح الباكستاني من قبل الرئيس الأميركي ترامب غامضة ومتناقضة أحيانا.. فُهِمَ منها على الأقل حتى الآن موافقة ترامب على المقترح الباكستاني وقد وجد ترامب فيه نزولا من شجرة التهديد بمحو “الحضارة الإيرانية”. وكنت قد توقعت موافقة ترامب في تعليق لي على الصديق بشار عباس ليلة البارحة وربما بشروط أقسى هي أن يكون تمديد المهلة لمدة أسبوع ولكنه وافق على أسبوعين. وقال ترامب إنه اطلع على شروط إيران العشرة وهي شروط جيدة وتشكل أساسا صالحا لمفاوضات جديدة والشروط الإيرانية العشرة تكرس انتصارا إيرانيا واضحا وتشترط إشراف الأمم المتحدة بقرار منها لوقف إطلاق النار على الضد من عداء ترامب لهذه الهيئة الدولية رغم أنها وجدت لخدمة برامج الغرب الإمبريالي أكثر من غيره.
-والآن الحرب العدوانية مستمرة على جبهة جنوب لبنان ما يعني وفق الشروط الإيرانية استمرار الحرب العدوانية. حيث وجه جيش الإبادة الجماعية إنذارات بإخلاء قرى وبلدات في جنوب لبنان وهاجم أخرى فعلا -هاجم طيران العدو قرى منطقة شبريحة في صور. وفجر اليوم ارتكب العدو مجزرة شنيعة في اثنتين من المقاهي الشعبية على كورنيش صيدا – وبرر نتنياهو ذلك باستمرار نشاطات المقاومة اللبنانية التي توقفت عن استهداف مواقعه فعلا ومن المتوقع أن تماطل إيران بفتح مضيق هرمز بسبب عدم شمول لبنان بوقف إطلاق النار.
-نتنياهو يتظاهر الآن بتحقيق إنجاز هو فصل الجبهات والانفراد بالجبهة اللبنانية وهذا غير صحيح تماما فمثلما جر نتنياهو ترامب إلى الحرب على إيران هاهو ترامب قد جر نتنياهو إلى وقف إطلاق النار على الجبهة الإيرانية وينفرد الآن بمواجهة الجبهة اللبنانية. ردود الفعل في الكيان غاضبة ويائسة وساسة الكيان هاجموا نتنياهو وتخصص ساسة اليمين المتطرف بمهاجمة ترامب نفسه فوصفه رئيس حزب صهيوديني – كما نقل مدير مكتب الجزيرة في فلسطين المحتلة وليد العمري صباح اليوم – قَبِلَ ترامب بأن “يخرج من الحرب بطةً بدل أن يخرج منها أسداً”.
أما يائير لابيد زعيم المعارضة في الكيان فقد اتهم نتنياهو بالفشل السياسي الكامل والهزيمة التأريخية والكارثة التي لا سابق لها لأنه لم يحقق أي هدف من أهداف الحرب التي بدأ بشنها!
-تصريحات نتنياهو عن استمرار الحرب على جبهة لبنان وفصل هذه الجبهة عن الحرب على إيران جاءت باللغة الإنكليزية لوسائل أنباء غربية والمعارضة في الكيان تطالبه بتوجيه خطاب باللغة العبرية (والأدق تسميتها اللغة “الإسرائيلية” لأنها ليست اللغة العبرية التوراتية المعروفة في كثير من النواحي وخاصة تلفظ الحروف) يوضح فيه موقفه من إعلان موافقة ترامب على الاقتراح الباكستاني.
-من المتوقع أن تظهر الفجيعة ومشاعر الهزيمة على اليمين الصهيوديني وعموم المشهد السياسي في الكيان، وأيضا سيكتئب اليمين اللبناني المتصهين ومناصري حكم الثنائي جوزيف “قساطل” ونواف سلام، وفي دول عربية أخرى وخاصة دول خليجية وأصدقاء السفارة الأميركية في العراق وقد بدأت أصوات أنصار هذه الجهات بالنواح والتعبير عن مشاعر الخيبة والمرارة والنكوص لأنها ستواجه مقاومة عائدة بقوة الى المشهد السياسي والكفاحي.
-أما ترامب فقد عاد يكرر أكاذيبه المَرَضية فزعم تحقيق انتصار “رائع ومذهل” وإن العالم يتجه نحو العصر الذهبي في يوم عظيم للسلام العالمي ولكنه لم يستطع أن يخفي أن وقف إطلاق النار لفترة أسبوعين جاء مقابل فتح مضيق هرمز فقط لا غير وهو كان مفتوحا قبل الحرب.
–التأثير الأول الذي تحقق من إعلان الموافقة على الاقتراح الباكستاني هو انخفاض أسعار النفط 20 بالمئة ونزولها تحت سعر المائة دولار ومن المتوقع أن يستمر الانخفاض.
-عبور السفن وناقلات النفط في مضيق هرمز لا يزال على حاله متوقف ولكن الهدوء يسود الجبهة الإيرانية.
*الخلاصة الأهم التي نخرج بها من رصد الوضع العام هي أن الوضع لا يزال غامضا ومعقدا ولم يتم الاتفاق على تفاصيل الأيام قادمة والأكيد أن نتنياهو سيواجه خيارات صعبة جدا فهو إما سيواصل حرب الإبادة في جنوب لبنان وعندها سيكون بمواجهة ترامب وأيضا سيواجه رد الفعل الإيراني الذي من المتوقع أن يتوقف عن استهداف المحميات النفطية في الخليج العربي ويركز هجماته الصاروخية على الكيان.
-من الواضح أن موافقة ترامب على اقتراح الهدنة لأسبوعين وتحت إشراف الأمم المتحدة التي حاول تدميرها وإخراجها من المشهد العالمي تعكس حقيقة أنه بلغ سقف تهديداته ولكن إيران لم تبلغ سقف صمودها وهي نجحت بفرض رأيها بالنار على العدو وأجبرته على التراجع المؤقت وهي ستتفرغ الآن لتوجيه الضربات الصاروخية على الكيان ولن يستطيع ترامب تقديم المساعدة لنتنياهو العاجز عن التقدم على الأرض اللبنانية في حال استمر بقصف الجنوب.
-الوضع لايزال هشاً وسوف يستمر طيلة الأسبوعين القادمين واحتمالات أن يحدث خرق كبير في المفاوضات وارد نسبيا ولكن الوارد أكبر منها العودة إلى القتال بزخم أقوى قبل أن يقتنع ترامب بالهزيمة والعجز عن تحقيق أهدافه المعلنة تماما.
*لتأكيد حقيقة التفوق الإيراني الجوهري في تحقيق الهدنة سأختم بإيراد وجهة نظر أميركية للسيناتور عن الحزب الديموقراطي كريس ميرفي حول موافقة ترامب على الهدنة حيث اعتبرها كارثة حقيقية وسوء تقدير لأنها منحت إيران سيطرة دائمة على مضيق هرمز. قال ميرفي:
“إن بنود اتفاق ترامب مع إيران صادمة … من الواضح أن ترامب لا يقول الحقيقة. إذا قبلت ولو جزءا من البيان الإيراني – بيان الشروط العشرة – فإن ترامب يكون قد وافق على منح إيران السيطرة على مضيق هرمز وهذا أمر صادم. إذا تعمقت أكثر في البيان مجلس الأمن القومي الأعلى الإيراني فهمي قولون إن ترامب وافق أيضا على حق إيران في تخصيب اليورانيوم وتعليق كافة العقوبات عليها والسماح لها بالاحتفاظ ببرامجها الصاروخي وبرنامج الطائرات المسيرة والبرنامج النووي والآن من يدري أياً من ذلك كان ذلك صحيحا. ولكن على الأقل فإن منح إيران حق السيطرة على مضيق هرمز فإن ذلك كارثة عالمية. وعلى أية حال فإن ما يقوله ترامب يختلف عما يقوله الإيرانيون ولكن إذا أصبحت إيران تسيطر بشكل دائم على مضيق هرمز فياله من خطأ وسوء تقدير”.
يمكننا طبعا أن ننظر إلى كلام ميرفي على انه جزء من خطاب المعارضة الأميركية لترامب في كل شيء، وهو كذلك، ولكنه يقول جزءا من الحقيقة، على الأقل في أن ترامب أجبر بعد الصمود الإيراني وبسببه على الموافقة على الهدنة وبالشروط التي طرحتها إيران لفتح المضيق. ولأن المضيق كان مفتوحا قبل الحرب فلا يمكن لترامب وحلفائه أن يزعموا انهم حققوا انتصارا أو إنجازا. أما قولهم بأنهم كبدوا إيران خسائر فادحة وهذا صحيح فإن السؤال المر الذي سيوجه إليهم هو: وماذا حققتم سياسيا بعد إلحاق كل هذه الخسائر بإيران؟ لا شيء تقريبا غير جرائم قتل وإبادة المدنيين وتدمير البنى التحتية المدنية والعسكرية!