أبعد من مجرد "غلاء".. حرب هرمز تكشف هشاشة "اقتصاد الاستيراد"

تقارير 18 April 2026
تتجه الأسواق العراقية نحو مرحلة ضغط متصاعد، مع بروز مؤشرات واضحة على شح السلع وارتفاع الأسعار، نتيجة تعطل الإمدادات البحرية عبر مضيق هرمز وارتفاع كلف النقل، وفي وقت تؤكد فيه الحكومة توفر خزين استراتيجي للمواد الأساسية، يحذر الخبراء من موجة تضخم جديدة وارتفاع سعري، في ظل اعتماد البلاد على الاستيراد لتأمين ما يقارب 50% من احتياجاتها الغذائية، بقيمة سنوية تتراوح بين 12 و15 مليار دولار.

وأدى إغلاق مضيق هرمز وتعطل المسارات البحرية إلى ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين بنسب ملحوظة، ما انعكس مباشرة على أسعار المواد الغذائية في السوق المحلية، وسط تقديرات بزيادة كلف الاستيراد بمئات ملايين الدولارات خلال الأسابيع الأخيرة.

وبعد ساعات من إعلان إيران فتح مضيق هرمز أمام جميع السفن والناقلات البحرية، يوم أمس الجمعة، عادت اليوم لتعلن إغلاقه مجدداً، بحسب المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء، الذي أكد أن “السيطرة على مضيق هرمز عادت إلى وضعها السابق”، بسبب ما وصفه بـ”الحصار الأمريكي على السفن والنواقل البحرية الإيرانية”.

أسباب مركبة

ويقول الخبير الاقتصادي زياد الهاشمي، إن “تراجع المعروض السلعي في الأسواق العراقية لم يكن نتيجة عامل واحد، بل جاء حصيلة تداخل مجموعة من الأسباب المركبة، في مقدمتها تعثر دخول البضائع نتيجة إغلاق المضيق، ما دفع التجار وشركات الشحن البحري إلى البحث عن بدائل بعيدة عن الجغرافيا العراقية”.

ويوضح، أن “البضائع باتت تُفرغ في موانئ في عُمان كصلالة، إضافة إلى موانئ خورفكان والفجيرة في الإمارات، قبل أن تُنقل براً أو يُعاد شحنها عبر موانئ الشارقة وجبل علي، ومن ثم تُنقل بسفن صغيرة إلى ميناء أم قصر أو عبر الشاحنات نحو الحدود العراقية، وهو ما أدى إلى ارتفاع كبير في كلف النقل، فضلاً عن تأخير وصول الشحنات وتعثر انسيابها إلى الأسواق”.

لا منظومة للخزن

ويرى الهاشمي، أن “هذه التعقيدات اللوجستية لم تكن العامل الوحيد، إذ إن عدداً كبيراً من شركات الشحن البحري أوقف تحميل أنواع متعددة من البضائع، لا سيما المواد الأولية والخام التي تدخل في عمليات الإنتاج الصناعي داخل العراق، ما انعكس بشكل مباشر على قدرة المصانع المحلية، التي واجهت صعوبة في الاستمرار بالإنتاج وتوفير السلع في الأسواق، الأمر الذي عمّق فجوة العرض بشكل ملحوظ”.

ويضيف، أن “الأزمة تتفاقم أيضاً بفعل ضعف البنية اللوجستية الداخلية”، مبيناً أن “العراق يفتقر إلى منظومة خزن كافية قادرة على تأمين احتياطي يغطي الطلب المحلي في أوقات الأزمات، الأمر الذي جعل الأسواق أكثر هشاشة أمام أي انقطاع مفاجئ في سلاسل الإمداد”.

شح الأسواق

ويشير الخبير الاقتصادي إلى أن “تدفق السلع، ولا سيما الغذائية منها، شهد تراجعاً شبه تام خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً الخضروات والفواكه القادمة من دول رئيسية، على رأسها إيران، التي توقفت نسبة كبيرة من صادراتها بفعل ظروف الحرب، إلى جانب تعثر الحركة التجارية عبر المنافذ الحدودية مع تركيا والأردن، وهو ما ضاعف من حدة الأزمة”.

ويخلص إلى أن “هذه العوامل مجتمعة أسهمت في خلق حالة من الشح الواضح في الأسواق، طالت العديد من السلع الأساسية والمواد الغذائية التي كانت متوفرة بشكل طبيعي قبل اندلاع الحرب، ما يعكس حجم التأثير المباشر للمتغيرات الإقليمية على الواقع الاقتصادي المحلي”.

قفزة الطماطم

وخلال الأسبوع الحالي، شهدت الأسواق العراقية شحاً في بعض المواد الغذائية، إضافة إلى ارتفاع أسعار الخضروات والفواكه، حيث سجل سعر الكيلوغرام الواحد من الطماطم ارتفاعاً قياسياً بوصوله إلى ثلاثة آلاف دينار في الأسواق.

وكشفت وزارة الزراعة، أن أسباب ارتفاع أسعار الطماطم في العراق يأتي نتيجة غياب الإنتاج المحلي والاعتماد على الاستيراد. وقالت في بيان رسمي، إن اضطراب المنافذ الحدودية، أدى إلى نقص الكميات وارتفاع الأسعار، فيما تبقى البدائل من تركيا والأردن مرتفعة الكلفة، متوقعةً أن تشهد الأسعار انخفاضاً مع بدء دخول الإنتاج المحلي نهاية شهر نيسان الحالي.

ضربة مباشرة

من جهته، يرجع مدير مركز الرفد للدراسات عباس الجبوري، الارتفاع الحاد في أسعار السلع داخل الأسواق إلى جملة من العوامل المتداخلة، في مقدمتها “المتغيرات الجيوسياسية والمناخية”، موضحاً أن “انسداد مضيق هرمز شكّل ضربة مباشرة لسلاسل الإمداد، إذ يعتمد العراق بشكل كبير على موانئه الجنوبية لاستيراد السلع الأساسية، ما أدى إلى تعطل خطوط الملاحة وارتفاع كلف الشحن والتأمين بشكل غير مسبوق، إلى جانب اضطرار التجار للجوء إلى طرق برية بديلة عبر دول الجوار، وهي بطبيعتها أكثر كلفة وتعقيداً”.

فجوة مواسم

أما أسباب القفزات السعرية، خصوصاً في السلع الطازجة، يعزوها الجبوري إلى “الفجوة الزمنية بين المواسم الزراعية”، مشيراً إلى أن “الارتفاع القياسي في أسعار الطماطم يعود إلى ما يُعرف بالفترة الانتقالية بين نهاية إنتاج البيوت المحمية وبداية الموسم الصيفي، ومع تعثر الاستيراد بفعل الظروف الإقليمية، ظهر نقص حاد في المعروض مقابل طلب مستقر، ما دفع الأسعار إلى مستويات غير مسبوقة”.

ويتابع، أن “الحرب الإقليمية انعكست أيضاً على مدخلات الإنتاج الزراعي، حيث شهدت أسعار الأسمدة والمبيدات والمواد الأولية المستوردة ارتفاعاً ملحوظاً، الأمر الذي زاد من كلفة الإنتاج على المزارع المحلي، وأسهم بدوره في تضخم الأسعار داخل السوق”، لافتاً إلى “دور المضاربات والاحتكار، إذ يلجأ بعض كبار التجار في أوقات الأزمات إلى تخزين السلع وطرحها لاحقاً بأسعار أعلى، ما يخلق نقصاً اصطناعياً في السوق ويزيد من حدة الأزمة”.

تطمينات حكومية

وينبه الجبوري إلى وجود تباين واضح بين التطمينات الرسمية والواقع الميداني، مبيناً أن “المواد الأساسية ضمن السلة الغذائية، ولا سيما الحنطة، ما تزال ضمن مستويات آمنة، حيث تؤكد الجهات الرسمية أن الخزين يكفي حتى نهاية 2026 وبداية 2027، ما يوفر استقراراً نسبياً في مادة الخبز، إلى جانب توفر مواد الحصة التموينية من أرز وسكر وزيت بكميات تكفي لعدة أشهر، في حين يتركز النقص في السلع التكميلية والمواد المستوردة المرتبطة بالنقل البحري، فضلاً عن السلع الداخلة في الصناعات التحويلية التي تعطلت سلاسل توريدها”.

صمود الأسواق

ويؤكد أن قدرة السوق العراقي على الصمود في المرحلة المقبلة ستبقى مرهونة بثلاثة مسارات رئيسية، أولها المسار الحكومي من خلال تفعيل مشاريع البيع المدعوم وتشديد الرقابة على الأسواق، بما يساهم في تخفيف العبء عن المواطن، وثانيها تسريع التحول نحو الاستيراد البري عبر المنافذ مع الأردن وتركيا والسعودية لتعويض تعثر النقل البحري، وثالثها دعم الإنتاج الزراعي المحلي، لا سيما مع اقتراب الموسم الصيفي الذي يُتوقع أن يسهم في خفض تدريجي لأسعار الخضروات مع زيادة المعروض”.

ويخلص الجبوري إلى أن العراق لا يواجه خطر نقص غذائي شامل أو مجاعة بفضل خزينه الاستراتيجي من الحبوب، لكنه في المقابل يمر بحالة تضخم حاد تطال السلع الطازجة والمستوردة، مشدداً على أن “استمرار هذا الضغط يبقى مرتبطاً باستمرار التوترات في الممرات البحرية، فيما يكمن الحل الجذري في تأمين بدائل نقل مستقرة وتعزيز الاعتماد على الإنتاج المحلي”.

وتأتي هذه التطورات في وقت تؤكد فيه الجهات الحكومية امتلاك العراق مخزوناً استراتيجياً من المواد الغذائية الأساسية يكفي لنحو ستة أشهر، إلى جانب خزين من القمح يغطي حاجة عام كامل، وهو ما يحدّ من مخاطر حدوث نقص فوري في الأسواق.

إلّا أن استمرار ارتفاع تكاليف النقل وتغيير مسارات الإمداد نحو منافذ بديلة عبر الأردن وتركيا يفرض ضغوطاً إضافية على الأسعار، في وقت تشهد فيه الأسواق المحلية تباطؤاً في حركة السيولة وتزايداً في كلف المعيشة، ما يعزّز احتمالات موجة غلاء جديدة إذا استمرت الأزمة لفترة أطول.

تحذيرات من تضخم

إلى ذلك، يحذر الخبير الاقتصادي نبيل جبار التميمي، من أن “السوق العراقية بدأت تدخل تدريجياً في مرحلة شحة واضحة بالمواد، وملامح هذا النقص لم تعد خفية، بل باتت تظهر على مختلف السلع في الأسواق، وهو تطور طبيعي في ظل استمرار إغلاق مضيق هرمز، الذي يمثل الشريان البحري الأهم لدخول البضائع”.

ويضيف التميمي، أن “طبيعة السوق العراقية تعتمد بشكل كبير على الاستيراد البحري، إذ أن الجزء الأكبر من السلع، والذي قد يصل إلى نحو ثلثي حجم الاستيراد، يأتي عبر الموانئ، خصوصاً السلع القادمة من الصين والإمارات ودول جنوب آسيا، فضلاً عن بعض الدول الأوروبية”، مشيراً إلى أن “هذه الإمدادات تعرضت إلى توقف شبه كامل منذ أكثر من شهر، ما أدى إلى تراجع الكميات المتوفرة في الأسواق بشكل تدريجي”.

انخفاض المعروض

ويتابع التميمي، أن “السلع القادمة من إيران، التي تمثل بدورها جزءاً مهماً من السوق المحلية، بدأت هي الأخرى تواجه حالة من الشح، نتيجة ظروف الحرب التي أثرت على حركة التصدير، الأمر الذي ساهم في زيادة حالة الارتباك داخل السوق، مع انخفاض إضافي في حجم المعروض من السلع”.

ويشير إلى أن “السوق العراقية تحاول التكيف مع هذه المتغيرات عبر فتح قنوات استيراد بديلة من تركيا والأردن وسوريا، إلا أن هذا التحول، قد لا يكون سلساً بالكامل، إذ قد يخلق حالة من عدم الاتزان في كميات السلع ونوعيتها، خاصة أن النقل البحري يتميز بكلف منخفضة مقارنة بالمسارات البديلة، وهو ما سينعكس مباشرة على أسعار السلع داخل الأسواق في حين أن تحويل الشحنات إلى موانئ أخرى مثل العقبة أو إدخالها عبر الأراضي التركية سيؤدي إلى تعقيد خطوط النقل وإطالة مدتها”.

ارتفاعات مقبلة

ويختتم التميمي محذراً من أن “الأسواق العراقية مقبلة على ارتفاعات واضحة في الأسعار، مدفوعة بثلاثة عوامل رئيسية، تتمثل في التضخم العالمي، وارتفاع أسعار السلع نفسها، إلى جانب الزيادة الكبيرة في كلف الشحن نتيجة تغيير مسارات النقل، ما يعني أن الضغوط الاقتصادية على المستهلك مرشحة للتصاعد في المرحلة المقبلة”.

وتوقّع صندوق النقد الدولي، الأربعاء الماضي، أن يشهد الاقتصاد العراقي انكماشاً ملحوظاً خلال عام 2026، في ظل تصاعد تداعيات الصراع في الشرق الأوسط واستمرار الضغوط على أسواق الطاقة العالمية، ما يضع البلاد ضمن أكثر الدول تأثراً بالأزمة الحالية.





المصدر: العالم الجديد