إعمار البصرة.. بين شعبوية المهم وإهمال الأهم
أثار قرار محافظ البصرة، أسعد العيداني، منح لاعبي المنتخب العراقي قطع أراضٍ ودوراً سكنية، موجة استياء واسعة، لا لكونه تكريماً بحد ذاته، بل لأنه جرى من المال العام وفي مدينة ما زال كثير من أبنائها يفتقدون أبسط مقومات العيش الكريم.
في البصرة، حيث تختلط ثروة النفط بشحّ الخدمات، لا تبدو مثل هذه القرارات لفتات رمزية، بل إشارات مربكة تعبر عن سوء فهم الأولويات، فحين تخرج الدول من أتون الحروب أو من رماد الأزمات، لا تعود إلى الحياة دفعة واحدة، بل تتقدم مثقلة بحاجات تتزاحم، كأن لكل منها استعجاله الخاص.
وفي هذا الزحام، تبدو الأشياء كلها ملحة، كأن الزمن يطالب بسداد ديونه دفعة واحدة، غير أن إدارة هذا الاندفاع لا تقوم على المساواة بين المطالب، بل يحكمها ميزان دقيق اسمه: ترتيب الأولويات.
وهذا ما أخفقت فيه حكومات العراق المتعاقبة منذ عام 2003 عموما، والحكومة المحلية في البصرة على نحو خاص، فحين يغيب هذا الميزان، لا يتسارع الإعمار، بل يتبعثر ويتعثر، وتستنزف الموارد في مسارات متفرقة لا يجمعها أفق استراتيجي ولا يضمها معنى.
في العراق، شكل عام 2003 منعطفا حادا، تصدر فيه الأمن بوصفه تاج الهموم والعتبة الأولى لكل استقرار لاحق. غير أن هذا التركيز، على أهميته، امتد أحيانا على حساب ملفات أخرى، حتى في مناطق لم تكن تضج بالاضطراب. ففي مدن الجنوب، والبصرة في طليعتها، كان هناك هامش من الطمأنينة يصلح لأن يكون أرضا لانطلاقة عمرانية أوسع، لكن ما تحقق ظل أقرب إلى معالجات جزئية تلامس السطح ولا تنفذ إلى عمق التخطيط الشامل.
ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في البصرة، ولا سيما في عام 2018، لاحت فرصة لإعادة ترتيب المسار، مدعومة بتخصيصات مالية كبيرة لم تعرفها المدينة من قبل. وفي ظل إدارة محلية برئاسة المحافظ أسعد العيداني، الذي سطع نجمه في السنوات الأخيرة وارتبط هذا السطوع ببعض المشاريع البراقة، توافرت إمكانات لم تكن يسيرة، وكان بالإمكان رسم ملامح تحول عمراني نوعي. غير أن التحدي لم يكن في وفرة المال، بل في البوصلة التي توجهه؛ إذ أن المال بلا رؤية واضحة كالماء إذا سكب في الرمل، فالأولوية في مشاريع الإعمار ليست إجراء فنيا عابرا، بل هي روح العملية التخطيطية وجوهرها. وهي تبدأ بسؤال بسيط في صياغته، عميق في أثره: ما الذي ينبغي إنجازه أولا ليصح ما بعده؟ ومن دون جواب محكم عن هذا السؤال، تتحول المشاريع إلى جزر منفصلة؛ قد تلمع في النظر، لكنها لا تفك عقد البنية ولا تعالج اختناقاتها.
ومن هنا، تبرز البنى التحتية لا بوصفها خيارا، بل نقطة بدء لا غنى عنها، فالماء والكهرباء والطرق وشبكات الصرف الصحي ليست مجرد خدمات، بل هي الأعمدة التي يقوم عليها أي بناء لاحق. وإهمال هذه الأسس يجعل من أي مشروع تكميلي، مهما بدا لامعا أو مكلفا، كمن يزين سقفا على جدران متصدعة. وإلى جانب هذا البناء المادي، ينهض بناء آخر لا يقل أهمية: الإعمار الاجتماعي. فالتعليم والصحة، واستعادة الثقة بين المواطن ومؤسساته، ليست هوامش يمكن تأجيلها، بل هي ضمانة الاستمرار لأي إنجاز. إذ لا يكفي أن تشاد المدن إن لم تدار بكفاءة، ولم يشعر ساكنوها بأنهم جزء من معناها.
وفي المقابل، يلوح خطر أشد خفاء وأعمق أثرا، يتمثل في تسييس الأولويات؛ حين تدفع الموارد نحو مشاريع سريعة الظهور، عالية الصدى، لكنها ضحلة الجذور. وهذا النمط، وإن حقق حضورا آنيا، يضعف الأثر التراكمي للإعمار، ويؤجل مواجهة الأسئلة الحقيقية التي لا تحتمل التأجيل. وعليه، فإن نجاح تجربة الإعمار في البصرة، أو في غيرها، لا يقاس بحجم ما ينفق، ولا بسرعة ما ينجز، بل بمدى القدرة على الإمساك بخيط الأولويات: تقديم الضروري على التكميلي، والعاجل على المؤجل، ضمن رؤية تضع الإنسان، لا الحجر وحده، في مركزها. وفي المحصلة، لا تقاس نهضة الإعمار بعدد المشاريع التي تفتتح، بل بمدى انسجامها مع حاجات الناس. فالتخطيط الرشيد لا يبدأ بما يلمع على السطح، بل بما يرسخ في العمق؛ ولا يقاس بما أنجز أولا، بل بما كان ينبغي أن ينجز أولا. وما لم يكسر هذا المنطق، فإن كل مشروع جديد لن يكون سوى طبقة إضافية تخفي العطب.. لا تعالجه.