إلى أين يمكن أن تقود هدنة الأيام العشرة؟
سؤال يبحث عن أجوبة ممكنة، وعالم الإمكان واسع، كما يذهب أهل الفلسفة، ولكن يضيفون أن السياسة فنّ الواقع، وعليه لا يعود البحث في الإمكان صائباً بل لا بد من النظر إلى ميدان الوقائع والأحداث، وتقدير الموقف وفق قواعدها. ويكون الخيار عقلانياً بقدر ما هو واقعي؛ الواقعية والعقلانية متوافقتان في أغلب الأحوال.
نحن في مرحلة حرب متصاعدة من حرب الإبادة في غزة وحرب الإسناد في لبنان إلى الحرب الكبرى التي شملت فلسطين ومحيطها والمحور المتضامن معها والناصر لها، ثم تحولت إلى حرب وجود بين النظام الدولي بقيادة أميركا ومعها العدو الصهيوني المحتل لفلسطين وبين إيران ودول المحور. وشملت الحرب مناطق الإقليم، ودخلت في صراع على منابع الطاقة وطرق تصديرها في المضائق وأعالي البحار. استخدمت في هذه الحروب شتى أشكال الصراع: على الوجود وحفظ المكانة والدور والأنظمة ومناطق النفوذ وأشكال من الأعمال العسكرية التي تتجاوز نطاق الحرب التقليدية إلى ما يشبه حرباً عالمية متعددة. استخدمت أنواع أسلحة جديدة وتكنولوجيا حديثة في أعمال القتل والدمار الشامل والاحتلال والحصار والقتل الجماعي للمدنيين كما حصل في يوم الأربعاء في لبنان.
كل حرب يليها تفاوض ويسير معها وتدخل فيه قوى متعددة، دولية وإقليمية، وقد حصل ذلك بتقسيط فظيع في حرب غزة ثم في اتفاق تشرين 2024 في لبنان، وما تلاه من ما دعوته حرب وقف إطلاق النار والتي استمرت خمسة عشرة شهراً من التدمير الممنهج للقرى والبلدات في جنوب نهر الليطاني، والاغتيالات التي لم تتوقف، وقصف كل مناطق لبنان في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. وترافق ذلك مع التزام المقاومة في لبنان بوقف إطلاق النار والحفاظ على التضامن في حكومة توالت قراراتها ضد المقاومة وبيئتها الحاضنة في أغرب ما يمكن أن تشهده سياسة حكومة بلاد هي في حال حرب وتعمل حكومتها أن تضعف قوى مقاومتها، وفي ديبلوماسية الفريق الواحد، خلاف الديبلوماسية الوطنية، الأمر الذي لم تعرفه حكومة في أنظمة العالم وقواعد تصرفها في زمن الحروب.
هذا الوضع اللبناني رافقه وضع إقليمي ودولي يتعلّق بالتفاوض الأميركي الإيراني في عمان والذي انتهى إلى شن حرب على إيران لم يشهد لها تاريخ الحروب في هذه المنطقة مثيلاً. وقد حققت إيران صموداً وقوة في مدار الحرب. دخل لبنان نطاق هذه الحرب في مواجهة حرب ما بعد وقف إطلاق النار لصدّها ولاعتبار آخر يعود إلى مفهوم عقلاني وواقعي لطبيعة هذه الحرب في ميدانها الإقيمي والدولي. وأظهرت المقاومة في لبنان بأساً وقوة صريحين في هذه الحرب التي شهدت معارك كبرى في جنوب لبنان كما شملت لبنان كله. وشهدت تنفيذ خطة "عقيدة الضاحية" ثم أقدمت على ارتكاب جرائم قتل جماعي واحتلال الأرض وتدمير البنيان وجعلها غير قابلة لعودة السكان.
حرب وجود حقيقية، تختلف في أبعادها عن أشكال الحروب التي سبقتها، ولذلك يلزم أن ينتج عنها ما يتفق وطبيعة هذه الحرب. وكان أمام لبنان فرصتين للتفاوض ووقف إطلاق النار: فرصة التفاوض بالشراكة بواسطة المقاومة في المفاوضات الدولية والإقليمية التي جرت في إسلام آباد. وبالفعل كان لبنان مشاركاً أساسياً على هذه الطاولة. له ما لها وعليه ما عليها. يعني أن يكون في ما يشبه التفاوض الجماعي للأمة. وهذا ما كان تتجه إليه بعض الدول العربية أيام زمان مثل سوريا وقرار القمة العربية في بيروت. وفي لبنان كان يقال إنه لا يمكن لبلاد الأرز أن تذهب إلى صلح منفرد مع العدو وأن تجربة 17 أيار في الثمانينيات كانت صريحة التعبير والتفسير.
في مقابل هذه المشاركة الواقعية والعقلانية، ذهبت الحكومة اللبنانية إلى مسار منفرد في جلسة واشنطن يؤدي، كما يظهر من بيان اللقاء وما تلاه، إلى صلح منفرد مع العدو. الأمر الذي لا يتفق وطبيعة لبنان في الجغرافية السياسية ولا في التاريخ السياسي لهذا البلد القائم على توازنات كيانية وعربية وإقليمية دقيقة.
لا أعرف مَن نصح حكومة لبنان في السير في هذا المسار، ومخاطر تعطيل ما يمكن تحصيله من التفاوض عبر ميدان الحرب المشترك.
ثمة قول شهير أنه حتى الموت مع الجماعة رحمة؛ إن التضامن الوطني والوحدة الوطنية أهم ما نحتاجه في زمن الحرب في ميدان القتال أو في غرف المفاوضات. الذهاب ضمن هذا المسار شديد القسوة في نتائجه، ويضيّع حق البلاد والعباد، ويدخل لبنان في إطار لم يخرج منه من زمان.
وعليه، أذهب إلى أن الحركة الواقعية لجدلية الحرب والتسوية السياسة لها، تذهب إلى تحديد مكان لبنان على طاولة مفاوضات إسلام آباد وليس واشنطن. وإن منطق حركة الحرب يدفع حتى الأميركيين إلى قبول هذا الأمر، وهو ما تحصّل عملياً في جدلية علاقة فتح مضيق هرمز مع وقف إطلاق النار في لبنان حتى ولو تجاهل بعضهم هذه الواقعة الحقيقية.
لم يفت الأوان بعد؛ تصحيح المسار ممكن عبر التصرف اللبناني الصحيح للحكومة. وفي لبنان نعرف كيف نجد المخارج وأين يكون مربط الفرس. نحن في حرب وجودية، لبنان جزء من الإقليم، وما يحصل سوف يحدد مصائر كبرى. العقلانية السياسية المستندة إلى الواقع تنتج الخيارات في الحفاظ على موقع لبنان في هذا الشرق الذي يدافع عنه أهله بشجاعة عالية.