تناقضية التنظير والتطبيق

مقالات 01 May 2026
بقلم: حسن كاظم الفتال

يقينا أن حياة المجتمعات والشعوب بمعظم مفاصلها وجزئياتها وكينوناتها ومكوناتها ومكنوناتها تتطلع لمواكبة أفضل مراحل الإزدهار الحضاري والتطور العمراني والنهضة بالثقافة والتقدم والتمدن والإرتقاء المادي والفكري والمعنوي وكل ما يتعلق بذلك. وتحقيق كل ذلك والحرص على الإستمرار والديمومة يتجلى بالارتكاز على أسس وأصول وفروع بيئية مناخية نقية وتشتمل على مرتكزات تحددها قواعد ومقاييس ومقادير ومعايير معينة لابد من وجودها وتداولها خلال المسيرة الحياتية مما يجعل بقاءها وديمومتها ثابتة خالصة.

والشعوب هي الأخرى على مختلف توجهاتها أو اثنياتها وتغاير ثقافاتها فضلا عن أن بعضها تتملكه رغبة شديدة على تطبيق أحكام السماء والإنحياز والميل الشديد للسياقات والمنهجيات والمجريات التربوية الإيمانية الصادقة الصالحة والمنسجمة مع الفطرة الإنسانية السليمة فضلا عن ذلك فهي تنطوي منظومتها الحياتية على معايير وأسس وقواعد وأصول وضوابط راسخة تؤمن استقرارها وتوفر لها الطمأنينة وضمان سلامة مجرياتها الحياتية.

هذا التوصيف لما تقدم عن كيفية مجريات حياة الشعوب وماهياتها كل ذلك يتطلب إدراج منهجية محددة فائقة الجودة وتأثيرية الجدوى مؤهلة أو قابلة للتطبيق بكل سهولة ويسر ودقة دون أي معوقات أو عقبات أو أي تعثر لتحقيق صناعة مجتمع فاضل واعٍ يشق طريقه إلى الفلاح  والظفر والفوز بسلاسة ومرونة تامة.

ثوابت التآزر لتطبيق المنهجية

ومن الثوابت الراسخة إن أساسيات متطلبات ومكتسبات الشعوب اللازمة ومشاريعها الضرورية يستلزم إنجازها العمراني والتشييدي الحضاري التطويري انتهاج واتباع خطط وسياقات وأطر عملية بإجراء فعلي وبالتطبيق والتنفيذ والإنجاز التدبيري بترتيب مدروس دقيق محقق متقن.

فإن إتمام الإنجازات وتلبية هذه الاحتياجات ترتكز على وضع خطط مسبقة ومنهجية وبرامج أساسية وأفكار قيمة ورؤى سديدة عقلانية وحكمية مبتكرة تنبع من تراكم خبرات متقنة. وهذه الخطط يترادف تحقيقها بين التنظير والتطبيق.

فثمة من يُنَظِر أي يجود بطرح نظرية محكمة متماسكة الأبعاد والمعطيات مدعمة ببيانات توضيحية ليسلمها لأناس اكفاء يتكفلون ويعزمون على ان يجعلوها قيد التطبيق باستخدام سبل ووسائل وأفراد معينين. 

فوارق وتباين بين التنظير وآلية التطبيق

التنظير هو طرح وتوظيف آراء وأفكار سديدة صائبة وخواطر يفصح من خلالها عن وضع خطط عملية أو مقترحات استراتيجية ومنها ما هي تصورات أو إشارة لأفكار قابلة للتطبيق أو غير قابلة.

ويرى بعض المختصين أن النظم الحياتية بأمس الحاجة لوجود مبادرين يُرتجى منهم القيام بالتنظير الفكري المنهجي الاستراتيجي بدلالات تشير إلى أحقية توليهم مزاولة التنظير.

ورغم أن التنظير وطرح الأفكار بالشكل الإيجابي يُعد ممارسة مبدئية أخلاقية معنوية قيمة عالية القدر لا تخلو من المثابرة ببذل الجهد الفكري مقترنة بطرح أفكار ورؤى منطقية أو مقترحات بتدابير قابلة للتنفيذ بسلاسة وانسيابية عالية يتم من خلال طرحها تشخيص الخلل بدقة متناهية والمشاركة الداعمة إلى تصحيحه وهذا مؤشر جيد جدًا.

ما عدا أن قسمًا مما يطرح من النظريات ضمن إطار التنظير فيُلاحظ أن مجريات بعضها لا يصلح للتطبيق أو تنقصه عناصر مهمة فيبدو أنها أقرب للخيال منها إلى الواقع أو أشبه بالتهويمات أو الطرح المبهم إذ يتعذر على الآخرين تطبيقها بالصيغ والأنماط الطبيعية المعتادة.   

لذا أن بعض المراقبين للأحداث والمتابعين للشؤون المجتمعية يشيرون إلى وجود فاصلة ومسافة فارقة بين عملية التنظير وما تتضمن من طروحات وبين ما يتناسب ويلائم التحقق بالتطبيق العملي ولكل من العنصرين ظروفه ونواحيه ومجالاته وسبل ووسائل وميادين تحقيقه فيصفون التنظير في بعض جوانبه بأنه مجرد وضع نظريات لفظية أو تصويرية بائسة التصميم أو الصياغة الممعنة  بتفاصيل دقيقة. وذلك ما يصدر من قبل أناس لا يتحمسون كثيرًا للعمل على صلاحية هذا التنظير للتطبيق إذ هم يتنصلون عن الإصرار على أداء أي عمل واقعي. وما مساهماتهم إلا مجرد طرح نظريات تنطوي في مضامينها نقدًا أو احتجاجا على سوء أداء أو تنكيلا بأي أداء تتم ممارسته وإظهار المعايب والمثالب دون أي بيان أو إشارة للمحاسن إن وجدت.

تصدر تلك الآراء التنظيرية والنقدية منها خصوصًا دون أن تضع البدائل ودون طرح أفكار رائدة سديدة قيمة مما يجعلها لا تشكل أي أثر ولا تثمر ولا تغني فهي مجردة من أية ضرورة غير نابعة من مقتضيات الحرص على تطبيق الأفكار وما هي إلا أفكار خيالية اسطورية ربما غير قابلة للتطبيق وبعضها يحتاج الكثير من التعديلات ليصلح تسخيره للتطبيق.

إذ يُلاحظ أن ثمة أفرادا ينتحلون صفة المنظر وهذا المنظر ينتخب لوضع خطط تنظيرية ربما تأخذ طريقها للتنفيذ. لكن يكتفي بتنظيره بالتلميحات والإشارات وبعضها ربما مبهمة ويشدد بتكريسه على عناصر أو نواحٍ نظرية إفتراضية ليس إلا والإكتفاء بالإشارة.

ومما يلفت الإنتباه أنه غالبًا ما يقابل هذا النمط من التنظير بردود سلبية يحسبه المعنيون منظورًا شكليا غير مقنع لا يحرز قبولا تاما ويعنون بعنوان العوق الفكري، ومن المحتمل أن يكون هذا التنظير عبارة عن تحليل نابع من الخمول والكسل أو العجز عن التدبر في إيجاد أفكار عملية فعلية حقيقية مؤثرة جاهزة ومهيأة للتطبيق.

صيغ اختيار الأفضل والأصلح

إن ما تقدم يدعو لأن ينصب الإهتمام البالغ على التشخيص الدقيق لكل المجريات والوقائع وتشخيص مواطن الخلل إن وجدت والبحث بجدية تامة والاستقصاء الشامل للإهتداء إلى الأسباب الجوهرية من وجود أي خلل والإسراع باتخاذ التدابير والحلول والمعالجات وبالصيغ الجوهرية والمنطقية لا السطحية التقليدية وإظهار بيانات ودراستها دراسة منطقية وبموضوعية فعلية جادة يتم من خلالها الفرز بين ما هو صالح وما هو طالح وتقويض كل ما هو طالح وإبقاء ما هو صالح واعتماد سرديات الصلاح، وبلوغ مرحلة الفلاح بالتنبه الجاد وبحدية والتنبه لمعرفة  القيود التي يضعها البعض بتوهم لا تفرق بين الخطأ والصواب وبين الهدى والضلال.

حين تبدي الشعوب آراءها

ثمة ميادين ازدحمت بعناصر همها ومبتغاها أن تكرس اهتمامها بإبداء النظريات بالصيغ الظاهرية السطحية القشرية والعزم  على ترويجها وتسويقها بأي شكل أو صيغة غير مكترثة بإمكانية أو انعدام التطبيق العلمي العملي الفعلي المؤثر.

هذه العناصر لم تكن تدرك أو لم ينبهها أحد بأن المجتمعات اهتدت إلى أسمى مراحل  تحرير العقول وامتلاك الوعي وارتشدت إلى سبل وأساليب كيفية رفض التبعيات وتوسمت خير توسم بانطباعات مكنتها من القدرة التامة على التمييز بين الانطباع المزاجي والتعاطي الحكمي وبلغت مرحلة الترصد والترقب للمجريات والتحكم العقلي وتشخيص ما يجب تشخيصه والقدرة على الفرز الدقيق بين طروحات التنظير التقليدية القشرية وبين ما هو جاهز وميسر للتطبيق بصلاحية كاملة.