من قصص فاجعة ميناب الايرانية : طفل شهيد بلا جثه...ماذا رأى قبل يوم الكارثة؟
مدرسة ومساكن
يفسر الاب المفجوع "سيروس نصيري" والد الطفل الشهيد مفقود الأثر من مدينة "ميناب" والذي ما زالت عينيه تهمل الدمع على الفراق وفي نفسه صرخة فراق الاب عن ولده لوكالة نون الخبرية ما حل بهم قائلا ان" ولدي "ماكان" عمره (7) سنوات ويدرس في الصف الاول الابتدائي وهو الرابع في تسلسل ابنائي، وكان للعائلة آخر العنقود والمحبوب من الجميع في تصرفاته والمدلل، وهي السنة الثانية له في مدرسة الشجرة الطيبة حيث كان في الصف التمهيدي ثم التحق بالصف الاول الابتدائي، وكانت اخته تدرس منذ ثلاث سنوات في نفس المدرسة، وله حضور ومحبة في قلوب معلمات المدرسة، حيث تتكون المدرسة من طبقين الاولى مخصصة للطالبات والثانية للاولاد وكان يسمح له بالتردد على الطبقتين لانه محبوب من قبل معلماته، بينما لا تسمح المدرسة للطلبة بالدخول الى طبقة الطالبات، وعائلتنا كانت تسكن في محافظة "اصفهان"، وقبل (20) عاما جئنا للسكن في مدينة "ميناب" وتزوجت فيها، وكان في المدينة مقر عسكري للبحرية، ولكن منذ (16) عاما انتقل المقر العسكري الى خارج المدينة وصارت سكنية بالكامل دون وجود اي شيء امني او عسكري، ولمدة اربع سنوات اوصل اولادي من والى المدرسة ولم ارى فيها اي مظهر او مؤسسة امنية او عنصر عسكري قرب المدرسة او في محيطها او في اطرافها".
يوم الجمعة
ويصف "نصيري" ما حصل يوم الحادث وما قبله وما مر بهم من احداث بعضها غريبة في شهر رمضان المنصرم قائلا ان" يوم السبت هو دوام رسمي للمدارس في ايران ويوم الجمعة طلبت مني ابنتي ان نذهب الى السوق لنشتري ما يحتاجه البيت، فذهبت معها وطلبنا من "ماكان" الذهاب معنا لكنه فضل الذهاب الى المسجد القريب من بيتنا، وهو رغم سنه كان يحرص على اداء الصلاة والصيام وفي بداية تعلمه لقراءة القرآن، ودأب على فرش سجادات الصلاة وسجاد المسجد للمصلين قبل حلول الصلاة، فذهبا يوم الجمعة الى السوق وكانت اغلب المحال التجارية مغلقة فعدنا الى البيت، وكان موعد الصلاة لم يحن بعد واخبرني انه ذاهب الى المسجد، وبعد دقائق قليلة عاد "ماكان" مسرعا وخائفا الى البيت، فسألته امه عن حاله فاخبرها انه "رأى خلف الجدار شخصا يرتدي ملابس بيضاء ولكنه بدون رأس"، ولم نهتم بهذا الكلام انا وامه واعتبرناها تخيلات اطفال، وللاطمئنان اتصلنا بالسيدة متولية المسجد لكي ترافق "ماكان" وتدخله الى المسجد، وبالفعل صحبته وادخلته وعادت به بعد الصلاة الى بيتنا، وخرج مع اخيه الى منطقة فيها العاب للأطفال ومرحوا لساعات وعادوا عند منتصف الليل، وطلبت منه امه الخلود الى النوم للراحة والذهاب بعدها الى المدرسة صباحا، وأيقظته امه وكان يرتدي الملابس الرياضية لان الدرس الاول هو حصة الرياضة، وقد تعود على عدم تناول الفطور الصباحي في البيت، فطلب من امه تزويده بطعام ليتناوله في المدرسة، وزودته به وصحبه شقيقه معه الى المدرسة على الدراجة الهوائية، وابتعدوا عن البيت بمسافة (50) مترا ومازال يبعث القبلات لامه كما اعتاد يوميا، وكان هو اللقاء الاخير معه والصورة التي ما زالت عالقة في ذهني منذ فقده".
يوم الحادث
ويسترسل الاب الذي ما زالت حسره فقد اصغر ابنائه تنعكس على تعابير وجهه بالحديث عن ما جرى يوم الفاجعة قائلا " في صباح يوم الحادث السبت الثامن والعشرون من شهر شباط الماضي اتصل بي احد اصدقائي ليخبرني بقصف بيت السيد الشهيد "علي الخامنئي"، ونصحني باعادة ابنائي من المدرسة بسرعة، كما اتصلت زميلة ابنتي في المدرسة واخبرتها ان الحرب اندلعت والمدارس تعطل دوامها ولا تذهبي، واثناء مناقشتي ابنتي بضرورة الذهاب الى المدرسة لحين التحقق من الدوام، اتصلت معلمة ولدي "ماكان" وطلبت منا الحضور لتسلمه من المدرسة واعادته الى البيت، بعد ان وقع قصف جوي قرب المدرسة، فاتصلت امه بسائق سيارة اجرة نعرفه وطلبت منه اعادة "ماكان" من المدرسة الى البيت، واخبرها انه ذاهب لاعادة اولاد من الصفوف التمهيدية وسيعيد ولدنا معه، واتصلنا بمعلمته لنخبرها ان السائق قادم لتسلم "ماكان"، وفي هذه الاثناء حصل القصف الجوي الاول، وشعرنا به في البيت لقوته وتملكنا القلق والخوف، وعاد ولدي الاكبر من مدرسته وهو يدرس في مدرسة اخرى غير "الشجرة الطيبة" فأخذت حقيبته المدرسية، وطلبت منه الذهاب بالدراجة الهوائية لجلب اخيه من المدرسة، وحينها سمعنا صوت القصف الجوي الثاني المرعب، وزاد القلق والخوف في قلوبنا فركبنا سيارتنا الشخصية انا وامه واخيه وتوجهنا نحو المدرسة، فوجدنا زخم مروري شديد في الشارع المؤدي اليها، فنزلنا انا وزوجتي من السيارة وركضنا نحو مبنى المدرسة، وما ان وقعت اعيينا عليها حتى انهارت قوانا وتسمرنا في مكاننا حيث وجدنا بقايا مدرسة وركام وتدمير وفوضى وصريخ وعويل واشخاص يبحثون عن ابنائهم".
الصورة الاولى
ويصف الاب شعوره عند او وهلة وقعت فيها عيناه على المدرسة والصف الذي يدرس فيه ولده قائلا " لقد جن جنوني وانا ارى ان المدرسة مدمرة وصف ابني الدراسي لا اثر له وصك اذني صريخ النساء وصياح الرجال ونزول الناس الى الانقاض ورفعها باليدين المجردتين وكل منهم يصرخ ويردد اسمه ولده او ابنته، ورأيت الاغطية السوداء التي جلبها رجال الدفاع المدني والهلال الاحمر الايراني موضوعة على الارض والناس تفتحها وتتفحص الجثث لتعثر على ابنائها وقمت ابحث معهم عن ابني "ماكان" لاكثر من (14) ساعة بدأً من الساعة الثانية عشرة ظهرا الى الساعة الثانية والنصف بعد منتصف الليل، وشاهدت زوجتي وقد انهكها التعب وتكاد تسقط على الارض من الاعياء فأعدتها الى البيت، وفي اليوم الثاني وعند الساعة السادسة فجرا ذهبت الى ثلاجات الطب العدلي في المستشفى واستمريت بالبحث لمدة (4) ايام دون جدوى"، مستدركا بالقول ان" ولدي عنده علامة مميزة في يده، تشبه "حراشف السمك" واول ما افتح اي غطاء اقوم بغسل يد الجثة للتأكد من انه ولدي او لا، وللأسف لم اعثر عليه، وفي اليوم الخامس جاءت زوجتي معي، ولغاية اليوم الثامن والثلاثون من الحرب ونحن نبحث عن "ماكان" في انقاض المدرسة واطرافها وداخل ما تبقى منها، لكن مع شديد الاسف لم نعثر على اي قطعة من جسده او أثر له، وكنا قد اخذونا في اليوم العشرين للحرب لاجراء فحوصات الحمض النووي (DNA)، وظهرت النتائج في نهاية الحرب ولا توجد نتيجة فذهب شهيدا دون جثة، واغلب زملائه واصدقائه استشهدوا يومها باستثناء اثنان كانوا مجازين بسبب المرض ونجوا من الموت، وكان القصف جوي وهمجي لم يرحم المدنيين او الاطفال والنساء، بل ان الاهالي عندما كانوا يبحثون عن ابنائهم وسمعوا اصوات طائرات في الجو فتركوا المكان واختبوا خشية قصفهم، لان القصف طال المدرسة مرتين وفيها (22) صف ومكونة من طبقتين الاولى للبنين والاخرى للبنات من الاول الى الخامس ابتدائي، استشهد فيها (168) طفل ومعلمة، وقبلها قصف مستوصف صحي وملعب قريب وجميعها مباني مدنية".