حَدِيثُ الجُمُعَةِ.. الإِنقلاباتُ ثلاثَةٌ
{انقَلَبْتُمْ عَلَىٰ أَعْقَابِكُمْ ۚ}.
والإِنقلاباتُ على [٣] أَنواعٍ:
أ/ الإِنقلابُ على المنهجِ والأَدواتِ، وهوَ النَّوعُ مَوضُوعُ الآيةِ الكريمةِ.
ب/ الإِنقلابُ على المنهجِ فقط عندما يتعارَض معَ المصالِح الخاصَّة كما يصِفُ ذلكَ الحُسين السِّبط (ع) {النَّاسُ عبيدُ الدُّنيا والدِّينُ لعِقٌ على أَلسنتهِم فإِذا مُحِّصُوا بالبلاءِ [تعارُض المنهج والواقِع] قلَّ الديَّانُونَ} وفي قولهِ تعالى {فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ ۖ}.
ج/ الإِنقلابُ على الأَدواتِ فقط، عندما يشعُرُ المُلتزم المُخلص أَنَّ مَن كانَ يظنُّهم أَدوات حقيقيُّون سيبذُلونَ قُصارى جهدهُم لتحقيقِ المشروع الرِّسالي والحضاري إِذا مكَّنهم الله تعالى {الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ ۗ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} إِنقلبُوا عليهِ ولم يعودُوا يشترُونهُ بشَروى نقيرٍ!.
النَّوعُ الثَّالث فقط محمودٌ وقد يكونُ في لحظةٍ تاريخيَّةٍ مطلوبٌ وواجبٌ [الإِنقلابُ على الأَدواتِ المُنحرِفةِ والإِلتزامُ بالمَنهجِ].
فعندما تنقلبُ الأَدوات على المنهجِ ينقسمُ النَّاسَ إِلى قسمَينِ:
*قسمٌ يسايرهُم ليستفيدَ منهُم وهُم [البوَّاقونَ] فيما يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {لَا يُقِيمُ أَمْرَ اللَّه سُبْحَانَه [العدلُ والإِحسانُ] إِلَّا مَنْ لَا يُصَانِعُ ولَا يُضَارِعُ ولَا يَتَّبِعُ الْمَطَامِعَ} والمطامعُ والعقولُ، كما هوَ واضحٌ، على طرفَي نقيضٍ كقَولِ (ع) {أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِعِ}.
*وآخر يرفضُ المُسايرة مُؤثراً الإِلتزامِ بالمنهجِ والإِنقلابِ على الأَدواتِ التي تغيَّرت وبدَّلت وتجاوزَت على اعتبارِ أَنَّهُ عندما آمن بالمنهجِ وجاهدَ من أَجلِ تحقيقِ مشروعهِ التَّغييري لم يُؤمن بهِ لإِيمانِ زيدٍ بهِ أَو قيادةِ عمرو لهُ، أَبداً فهوَ لم يُقلِّد ولم يعبُد شخصيَّة [الزَّعيم] وإِنَّما آمنَ بهِ وضحَّى من أَجلهِ لعُمقِ مفاهيمهِ وصحَّةِ جَوهرهِ وانسجامهِ معَ أَخلاقهِ وتربيتهِ وإِيمانهِ، بمعنى أَنَّهُ آمنَ بالمنهجِ كأَفكارٍ وليسَ كأَشخاصٍ فإِذا انقلبَت بعضُ الأَدواتِ فليسَ دليلاً على خطأ المَنهجِ لينقلبَ عليهِ معهُم فأَسبابُ الإِنقلابِ كثيرةٌ منها المصالِح الذاتيَّة والخَوف والإِيمانُ السَّطحي بالمنهجِ من الأَساسِ لحاجةٍ في نفسِ يعقوبَ أَرادُوا قضاءَها كامتطاءِ المنهجِ لتحقيقِ أَغراضٍ خاصَّةٍ مثلاً أَو التستَّر بهِ لخداعِ النَّاسِ أَو الإِتِّجار بهِ حتَّى إِذا حقَّقُوا أَغراضهُم إِنقلبُوا عليهِ! وفي التَّاريخ القدِيم والمُعاصر نماذجَ لا حصرَ لها!.
وهنالكَ أَسبابٌ كثيرةٌ لكُلِّ نوعٍ من النَّوعَينِ المُتبقِّيَينِ، منها السُّلطة والجِنس والمال، والوَيلُ كُلَّ الوَيلِ إِذا اجتمعَت في واحدٍ! والسُّلطةُ تحديداً من أَخطرِها وأَشهرها فلقَد قال أَحد [خُلفاء المُسلمينَ] لإِبنهِ من صلبهِ عندما أَخبرهُ بأَنَّ الإِمامَ من أَهلِ البيتِ (ع) أَحقُّ بالخلافةِ من أَبيهِ، قائلاً لهُ [فلِمَ لا تُسلِّمهُ الخِلافةَ] فردَّ عليهِ بالقَولِ [والله لَو نازعتَني عليهِ لأَخذتُ الذي فيهِ عيناكَ] وبسببِ السُّلطةِ يتمُّ سحق القِيم والأَخلاق وتُستباحُ الأَعراضُ وتُراقُ الدِّماء البريئَة وتُزهقُ الأَرواح ويتمُّ تجاهُل التَّاريخ الجِهادي والرمزيَّة ورِفاق الدَّرب وكُلَّ شيءٍ.
فعندما دخلُوا على الوليد بن عبدِ الملِك يقرأ القرآن ليخبروهُ بوفاةِ الخليفةِ وأَنَّها آلت إِليهِ أَغلق المِصحف قائِلاً [هذا فِراقٌ بيني وبينكَ].
تأسيساً على ذلكَ؛
*لا ينبغي لَوم الذي يثبُت على المنهجِ ويعضُّ بنواجذهِ على الثَّوابتِ وفي كُلِّ الظُّروف والمُنعطفات والتحدِّيات، وإِنَّما يلزَم أَن ينصبَّ اللَّومُ على الذي انقلبَ على المنهجِ لأَيِّ سببٍ كانَ لفضحهِ وتعريتهِ خاصَّةً إِذا ظلَّ يتستَّرُ بالمُقدَّسِ لتحقيقِ أَهدافهِ الرَّخيصة وأَغراضهِ الدَّنيئةِ!.
السُّؤَال؛ كيفَ يُمكنُنا أَن نُميِّز بينَ الثَّابت على المنهجِ والذي انقلبَ عليهِ لأَيِّ سببٍ من الأَسبابِ؟!.
الجوابُ واضحٌ لا يحتاجُ إِلى كثيرِ فلسفةٍ وشرحٍ وتحليلٍ فلقَد أَتى الْحَارِثَ بْنَ حَوْطٍ أَميرَ المُومنينَ (ع) قائِلاً لهُ [أَتَرَانِي أَظُنُّ أَصْحَابَ الْجَمَلِ كَانُوا عَلَى ضَلَالَةٍ؟!] فقَالَ (ع) {يَا حَارِثُ إِنَّكَ نَظَرْتَ تَحْتَكَ ولَمْ تَنْظُرْ فَوْقَكَ فَحِرْتَ، إِنَّكَ لَمْ تَعْرِفِ الْحَقَّ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاه، ولَمْ تَعْرِفِ الْبَاطِلَ فَتَعْرِفَ مَنْ أَتَاه}.
فَقَالَ الْحَارِثُ فَإِنِّي أَعْتَزِلُ مَعَ سَعِيدِ بْنِ مَالِكٍ وعَبْدِ اللَّه بْنِ عُمَرَ! فَقَالَ (ع) {إِنَّ سَعِيداً وعَبْدَ اللَّه بْنَ عُمَرَ لَمْ يَنْصُرَا الْحَقَّ ولَمْ يَخْذُلَا الْبَاطِلَ}.
إِذن؛ فالمنهجُ واضحٌ لمَن أَرادَ أَن يكُونَ صادِقاً معَ نفسهِ، وملتبسٌ لمَن أَرادَ أَن يخدعها فلقد قَالَ (ع) لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وقَدْ سَمِعَه يُرَاجِعُ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ كَلَاماً؛ دَعْه يَا عَمَّارُ فَإِنَّه لَمْ يَأْخُذْ مِنَ الدِّينِ إِلَّا مَا قَارَبَهُ مِنَ الدُّنْيَا وعَلَى عَمْدٍ لَبَسَ عَلَى نَفْسِهِ لِيَجْعَلَ الشُّبُهَاتِ عَاذِراً لِسَقَطَاتِه}.
هذا نموذجٌ للَّذي ينقلبُ على المنهجِ ثُمَّ يُوَارِي بهِ سَوْأَتهُ! لتحقيقِ أَهدافهِ الدَّنيئة، فهُم يعرفونهُ حقَّ المعرفةِ ويعرفُونَ أَنَّهم مُنقلبونَ عليهِ ويعرفُونَ أَنَّ سلوكِيَّاتهِم الآن لا صلةَ لها بالمنهجِ ويعرفونَ أَنَّهم يُناقضُونَ أَنفسهُم عندما يتحدَّثونَ عن المنهجِ وسلوكهُم مُنحرِفٌ عنهُ كما تتحدَّثُ المُومِس عن الشَّرفِ والعفَّةِ! ومعَ كُلِّ ذلكَ يُصرُّونَ على الإِنقلابِ لتوظيفِ المُقدَّسِ كغطاءٍ لسلوكهِم المُنحرف ومعاملاتهِم الخطأ، لتضليلِ المُغفَّلينَ ليُسيطرُوا عليهِم ويتحكَّمُوا بعقولهِم وولاءاتهِم!.