السوشيال ميديا محكمة مفتوحة.. قراءة في حرية الاستعمال وحدود المسؤولية

مقالات 30 May 2026
بقلم: د. أمير الشيخ

لم تعد السوشل ميديا مجرد وسيلة للتواصل أو نافذة لمتابعة الأخبار، بل تحولت إلى فضاء يومي واسع تتقاطع فيه الأصوات والآراء والانفعالات، ويدخله الجميع بلا استثناء تقريبًا الصغير والكبير، المثقف وغير المثقف، الموظف والكاسب، الطالب وربّة البيت وبقدر ما منحت هذه المنصات الناس قدرة غير مسبوقة على التعبير، فإنها فتحت في المقابل أبوابًا واسعة للاندفاع وسوء التقدير، حتى غدا ما يُكتب فيها أحيانًا أشد أثرًا من الكلام المباشر، وأبقى من المجالس العابرة.

المشكلة أن كثيرين ما زالوا يتعاملون مع السوشل ميديا بوصفها عالمًا منفصلاً عن الواقع، وكأن ما يُقال فيها يمر بلا حساب، أو كأن ما يُنشر فيها يذوب في زحام المنشورات غير أن الحقيقة أبعد من ذلك بكثير فهذه المنصات لم تعد مجرد مساحات للكلام، بل أصبحت في أحيان كثيرة أقرب إلى محكمة مفتوحة؛ تُعرض فيها الوقائع مبتورة، وتُطلق فيها الأحكام متعجلة، وتسبق فيها التهم حقائقها، ويُدفع الناس أحيانًا إلى مواقع الإدانة الاجتماعية قبل أن يقول القانون كلمته، وقبل أن تتضح الصورة كاملة، وما يزيد خطورة هذا المشهد أن السوشل ميديا لا يستعملها أصحاب الوعي والخبرة وحدهم، بل تستعملها فئات واسعة متفاوتة في العمر والثقافة والإدراك ولهذا يختلط عند كثيرين معنى الحرية بمعنى الانفلات، ويُساء فهم الفرق بين النقد المشروع وبين الاعتداء على السمعة، وبين إبداء الرأي وبين اقتحام الحياة الخاصة، وبين نقل المعلومة وبين ترويج الاتهام ومن هنا تبدأ الأزمة الحقيقية، لأن ما يظنه البعض تعليقًا عابرًا قد يكون في حياة غيره إساءة بالغة، وقد يكون في نظر القانون سببًا قائمًا للمساءلة.

فمن الناحية القانونية، فإن إساءة استعمال السوشل ميديا قد ترتب عليها مسؤولية مدنية متى أدى منشور أو تعليق أو صورة أو مقطع متداول إلى الإضرار بسمعة شخص أو اعتباره أو خصوصيته، فيثبت للمتضرر حق المطالبة بالتعويض، فالضرر لا يُقاس دائمًا بما يصيب الجسد أو المال، بل قد يكون ضررًا معنويًا يمس الكرامة، ويهز المكانة الاجتماعية، ويترك في النفس أثرًا بالغًا لا يزول بسهولة، والكلمة الجارحة، إذا خرجت من حدود النقد إلى نطاق الإيذاء، لا تبقى مجرد رأي، بل قد تصبح فعلاً منشئًا للمسؤولية.

وقد يتجاوز الأمر هذا النطاق إلى المسؤولية الجنائية إذا انطوى السلوك على قذف أو سب أو تشهير أو تهديد أو ابتزاز أو مساس بالحياة الخاصة، وعندئذ لا تكون المسألة مجرد خلاف على منصة إلكترونية، بل تتحول إلى شكوى وإجراءات قانونية وعقوبات، وهذه الحقيقة لا تزال غائبة عن أذهان كثيرين ممن يظنون أن الحساب الشخصي يخلق لهم مساحة مباحة خارج الضوابط، أو أن حذف المنشور بعد نشره كفيل بمحو أثره، مع أن ما يُكتب في لحظة قد يبقى أثره طويلاً في القانون وفي المجتمع معًا.

والأخطر من كل ذلك أن السوشل ميديا لم تعد في يد البالغين وحدهم، بل دخلت بقوة إلى عالم الأبناء في سن مبكرة، فأصبح الطفل والمراهق جزءً من هذا الفضاء قبل أن يكتمل وعيه بحدود الكلام، وخطورة الصور، ونتائج السخرية، وما قد يترتب على التهور أو التقليد من أذى له أو لغيره ولهذا لم تعد مراقبة الأبناء في استعمال هذه المنصات مسألة ثانوية، بل أصبحت ضرورة تربوية واجتماعية وقائية، وليس المقصود بالمراقبة هنا القسوة أو المصادرة، بل المتابعة الواعية التي تشرح وتوجه وتبني الإدراك، وتعلّم الأبناء أن ما يُكتب قد يبقى، وأن ما يُنشر قد يفلت من السيطرة، وأن المزاح غير المحسوب قد ينقلب إلى ضرر حقيقي.

إن مسؤولية الأسرة اليوم لا تقف عند توفير الهاتف أو الاتصال، بل تمتد إلى بناء وعي رقمي يحصّن الأبناء من الإساءة ومن الوقوع فيها معًا، فالتربية لم تعد مقتصرة على السلوك في البيت أو المدرسة، بل صارت تشمل السلوك وراء الشاشة أيضًا، لأن هذه الشاشة قد تكون باب معرفة وتواصل، وقد تكون كذلك منفذًا إلى التنمر أو الابتزاز أو التشهير أو الاستدراج أو تقليد ما لا يُحمد أثره، 

ومن خلال معاينة الواقع يظهر جليا ان الخلل ليس في السوشل ميديا من حيث الأصل، فهي من أدوات العصر التي لا غنى عنها، ويمكن أن تكون وسيلة نافعة في المعرفة والتواصل وتبادل الرأي لكن الخلل و كل الخلل في استعمال منفلت يخلط بين الحرية والفوضى، وبين الاختلاف والإساءة، وبين الحق في التعبير والعدوان على الآخرين فليس كل ما يخطر في البال يصلح للنشر، وليس كل ما يصل إلى الهاتف يجوز تداوله، وليس كل خلاف يستحق أن يتحول إلى مشهد علني مفتوح على الناس جميعًا، ولهذا أيضًا، فإن النصيحة التي يجب أن تبلغ الجميع، بلا استثناء، هي أن السوشل ميديا ليست لعبة، فعليك النصح المستمر لمن حولك ولمن يعنيك من عائلة، أبناء، أصدقاء انه: قبل أن تكتب فكّر، وقبل أن تنشر تحقّق، وقبل أن تتهم تأكد، وراقب بوعي ومسؤولية، لأن منشورًا واحدًا قد يبدو عارضا في لحظة الانفعال، لكنه قد يخلّف ضررًا اجتماعيًا ومسؤولية قانونية لا يمحوها الحذف، ولا يرفعها الندم المتأخر.

الوسوم: أمير الشيخ