القدس بين سؤال السياسة والأخلاق

مقالات 05 June 2026
بقلم:د.خالد قنديل

لا تكمن خطورة ما يجري في القدس والضفة الغربية وغزة في عدد الاقتحامات المتكررة، ولا في تكرار مشاهد المستوطنين وهم يدخلون باحات المسجد الأقصى تحت حماية الشرطة الإسرائيلية، ولا في الأرقام الباردة التي تتحدث عن وحدات استيطانية جديدة أو اعتقالات أو هدم أو تهجير، لكن الخطورة الأعمق تكمن في أن هذه الوقائع ليست حوادث منفصلة، بل أجزاء من بنية واحدة متماسكة، تسعى إلى تحويل الوجود الفلسطيني من وجود إنساني تاريخي حي إلى مجرد مشكلة أمنية قابلة للإدارة، وتحويل القدس من مدينة ذات ذاكرة وروح وقداسة إلى مساحة إدارية خاضعة لإعادة البرمجة، من هنا يمكن الانتباه إلى تلك الإضاءة في قلب الحدث، عبر فهم البيان المصري الأخير، وتأكيد السياسة الراسخة في تسمية الأشياء بأسمائها، فاقتحام المسجد الأقصى ليس زيارة، وحماية الشرطة للمستوطنين ليست إجراءً تنظيمياً، ورفع الرموز الإسرائيلية فعل سياسي مشحون بالدلالة، يستهدف الوعي قبل أن يستهدف الحجر.

إن الصراع على الأقصى هو في جوهره صراع على تعريف القدس ذاتها، هل هي مدينة مفتوحة على التاريخ، محملة بطبقات دينية وحضارية وإنسانية متشابكة؟ أم أنها مجرد عقار سياسي يمكن إخضاعه لمنطق القوة والأمر الواقع؟، الاحتلال الحديث لا يعمل دائماً بمنطق الجيوش وحدها، إنه يعمل أيضاً بمنطق اللغة والخرائط والإجراءات الصغيرة المتراكمة، يبدأ الأمر بتغيير اسم طريق، ثم وضع حاجز، ثم السماح لجماعة متطرفة بالدخول إلى موقع مقدس، يتكرر الدخول حتى يصبح اعتياداً، ثم يتحول الاعتياد إلى عرف، ثم يتحول العرف إلى حق مزعوم، وبعد سنوات يُقال لقد تغير الواقع هذه هي استراتيجية الوقائع الزاحفة، حيث لا ينفجر شيء دفعة واحدة، بل تتآكل الحقيقة بالتقسيط، ويُكتَب التاريخ بالممارسة اليومية لا بالمعاهدات، وإذا وسعنا زاوية النظر، سنجد أن الاقتحامات في الأقصى لا تنفصل عن التوسع الاستيطاني في الضفة، ولا عن إعادة هندسة غزة بالقوة، ولا عن عنف المستوطنين ضد القرى والممتلكات والمساجد والطرق، كلها تعبيرات مختلفة عن منطق واحد، منطق الإحلال، والإحلال هنا ليس إحلال سكان محل سكان فحسب، بل إحلال رواية محل رواية، وذاكرة محل ذاكرة، وخرائط مصطنعة محل تاريخ طويل، المستوطن في هذه البنية ليس فرداً يبحث عن مسكن، بل طليعة مشروع سياسي منظم، يدخل أولاً في هيئة جماعة دينية، ثم يحتمي بالشرطة، ثم يتبعه القانون، ثم تأتي الدولة لتقول إن الواقع الجديد يستوجب التعامل معه، وهكذا يتحول الاستثناء إلى قاعدة، ويتحول العنف الأهلي إلى سياسة عامة غير معلنة، ويتحول الاحتلال من حالة عسكرية مؤقتة إلى نظام اجتماعي راسخ.

غير أن ثمة ما هو أعمق من التشخيص، فالمجتمع الدولي ليس جاهلاً بهذه الآلية، بل هو في معظمه مدرك لها، المشكلة ليست في غياب الوعي، بل في تضارب المصالح وتآكل الإرادة، حين تختار قوى كبرى الصمت أو الاكتفاء بالإدانة اللفظية، فهي لا تخفق في الفهم، بل تحسن الحساب، لهذا يصبح الدفاع عن الأقصى أكثر من دفاع عن موقع مقدس، إنه اختبار لمصداقية منظومة دولية بأسرها، هل القانون الدولي مبدأ عام أم أداة انتقائية تستخدم حين تلائم الأقوياء وتهجر حين تكلفهم؟، الأماكن التي تشكل وجدان الأمم لا تدار بمنطق الكاميرات والحواجز وحده، إنها تقاوم لأنها ليست فراغاً جغرافياً، بل معنى متجسد في الذاكرة الجماعية، لكن المقاومة الرمزية وحدها لا تكفي، ما يحدث فارقًا هو تحويل الإدانة الأخلاقية إلى ضغط سياسي منظم، وتحويل الوعي بالآلية إلى استراتيجية مضادة توقف الزحف قبل أن يستكمل دورته، وإلا فستبقى المنطقة معلقة بين بيان إدانة وانفجار، بين لحظة صحوة ولحظة نسيان، أما القدس، فستظل ما هي عليه دائماً، المرآة التي تكشف حقيقة كل نظام، لا بما يقوله عن نفسه، بل بما يختار أن يصمت عنه

الوسوم: د.خالد قنديل