زهرة النيل تهدّد أنهار العراق ومخاوف من بلوغها الأهوار

تقارير 07 June 2026
بعدما راحت "زهرة النيل"، التي توصَف بأنّها غازية، تجتاح خمس محافظات في العراق أخيراً، أصدرت وزارة الموارد العراقية تحذيرات، ولا سيّما وسط مخاوف من بلوغها الأهوار جنوبي البلاد.

وتتجدّد أزمة "زهرة النيل" في كلّ عام، إذ إنّها تتمدّد في أنهار العراق وجداوله فتؤرّق الفلاحين وأصحاب المزارع، علماً أنّ ذلك مستمرّ منذ نحو 20 عاماً.

وتمضي الحكومة العراقية في مكافحة ما تصفه بأزمة بيئية سنوية، فـ"زهرة النيل" تُعَدّ من أخطر النباتات الغازية، مع العلم أنّها تستهلك كميات كبيرة من المياه، فيما تعيق وصول الضوء إلى المياه وتؤدّي إلى تراجع مستوى الأكسجين، الأمر الذي يهدّد حياة الكائنات المائية، وقد يؤدّي إلى انقراضها تدريجياً من عدد من البيئات.

وعلى الرغم من أنّ "زهرة النيل" (إيكورنيا)، التي تُعرَف كذلك باسم "ورد النيل"، تأتي بأزهار بديعة بنفسجيّة اللون أو زرقاء، فإنّ هذا النوع من النبات المائي الموسمي، الذي يطفو على المياه العذبة والذي تُعَدّ أميركا الجنوبية موطنه الأصلي، يُصنَّف من أخطر النبات الغازي عالمياً. ويعود ذلك إلى كون "زهرة النيل" تتكاثر بسرعة هائلة فتخنق المسطحات المائية وتستهلك كميات هائلة من مياهها، ما بين ثلاثة ليترات إلى خمسة لكلّ واحدة منها، الأمر الذي يؤدّي إلى القضاء على الحياة في تلك المسطحات.

في هذا الإطار، حذّر وزير الموارد المائية في العراق مثنى التميمي أخيراً من خطورة وصول "زهرة النيل" إلى مناطق المسطحات المائية في جنوب البلاد، إذ قد يؤدّي ذلك إلى كارثة بيئية حقيقية تهدّد النظام البيئي والتنوّع الأحيائي في الأهوار.

وقال التميمي، في تصريحات صحافية، إنّ "جهود جهة واحدة لن تكون كافية للقضاء على هذه الآفة ما لم تتكاتف كلّ الجهات المعنية لمعالجتها"، موضحاً أنّ "مناطق مثل محافظة الديوانية كانت خالية تماماً من زهرة النيل في خلال العام الماضي، إلا أنّ جداولها المائية بأغلبها صارت اليوم مغطاة بهذا النبات بصورة شبه كاملة، وبصورة غير طبيعية".

وتحدّث التميمي عن تهديد مباشر للحصص المائية في المحافظات مع زيادة الضغوط على الموارد المائية المتاحة، ولا سيّما أنّ "النبتة الواحدة تستهلك ما بين ثلاثة إلى خمسة ليترات من المياه يومياً".

وأوضح التميمي، في بيان بهذا الخصوص أصدره أمس السبت، أنّه أطلع رئيس الوزراء علي الزيدي على "مستجدّات الموقف"، محذّراً مرّة أخرى من "وصول زهرة النيل إلى مناطق الأهوار، لما قد يسبّبه ذلك من تداعيات خطرة على النظامَين البيئي (عموماً) والمائي".

وأكّد التميمي أنّ "وصولها إلى الأهوار سيؤدّي إلى كارثة حقيقية، إذ سيكون من شبه المستحيل السيطرة عليها أو استئصالها بسبب الطبيعة الواسعة للمسطحات المائية هناك".

ودعا وزير الموارد المائية العراقي "المحافظين والجهات المعنية إلى تعزيز التعاون والتنسيق المشترك لمواجهة هذه الظاهرة والحدّ من آثارها على الموارد المائية".

وتابع أنّهم يتابعون "إمكانية استخدام سوسة زهرة النيل من ضمن برامج المكافحة الحيوية"، مشيراً إلى "ضرورة التأكد من عدم وجود أيّ آثار سلبية محتملة على أشجار النخيل". وفي هذا السياق، أفاد التميمي بأنّ وزارته تعتزم إرسال وفد حكومي إلى مصر "للاطلاع على تجربتها في مكافحة زهرة النيل وآليات استخدام السوسة، والاستفادة من الخبرات المتراكمة في هذا المجال".

يُذكر أنّ السوسة حشرة غير ضارة تُستخدَم في بلدان عديدة تعاني من تبعات "زهرة النيل"، بوصفها "عدواً حيوياً" يعمل للحدّ من تمدّد هذا النوع من النبات.

وفي ما يخصّ تسمية هذا النوع من النبات "زهرة النيل" في المنطقة، فإنّ ذلك يعود إلى ارتباطه التاريخي بنهر النيل في مصر، على الرغم من أنّ موطنه الأصلي حوض نهر الأمازون في أميركا الجنوبية. فقد أُدخلت "زهرة النيل" إلى مصر، في أواخر القرن التاسع عشر، من طريق أحد الباحثين الزراعيين الإنكليز من أصول ألمانية، وفقاً لما تشير مراجع عدّة من دون تسميته، مع العلم أنّه أتى بها من بحيرة فيكتوريا بوسط أفريقيا.

ويأتي التحدّي البيئي الأخير الذي يواجهه العراق اليوم، في ظلّ تفاقم الأزمة البيئية بالبلاد، من تراجع في الواردات المائية وارتفاع معدّلات التلوّث مع اتساع رقعة "الاختناق الأخضر" الذي تسبّبه "زهرة النيل" في الأنهار والجداول جنوبي العراق خصوصاً. فهذا النوع من النبات تحوّل إلى تهديد مباشر لحركة المياه والريّ والثروة الزراعية.

وأفاد مسؤولون من وزارتَي البيئة والموارد المائية بأنّ "رئيس الحكومة أوعز بمكافحة هذا النوع من النبات، الذي تحوّل إلى آفة تؤثّر بالوضع المائي والبيئي في البلاد"، وأشاروا إلى أنّ "السلطات العراقية تمتلك الأدوات لمواجهتها، إمّا من خلال اقتلاعها، وإمّا من خلال إطلاق سوسة زهرة النيل التي تؤدّي في العادة إلى السيطرة على الآفة والقضاء عليها تدريجياً".

وأضافوا أنّ "الخطة الحكومية تتضمّن كذلك استنساخ تجربة مصر في التعامل مع هذا النوع من النبات الغازي، خصوصاً أنّ لها تجربة مريرة مع هذه الآفة، وقد حقّقت نتائج ناجحة بعد فشل محاولات الإجهاز عليها باستخدام الآليات والمكننة الحديثة".

من جهته، قال الناشط البيئي حميد العراقي إنّ "انتشار زهرة النيل في الأنهار والجداول التي يعتمد عليها المزارعون يحول دون وصول المياه إلى الأراضي الزراعية وكذلك إلى المنازل، بالتالي نحن أمام تحدّ بيئي يؤثّر بالزراعة والاستخدامات البشرية الأخرى لمياه الأنهار"، محذّراً من أنّ ذلك "سيؤدّي في خلال الفترة المقبلة إلى مشكلات كبيرة قد تصل إلى حدّ التأثير في البحيرات والمسطحات المائية التي انتعشت أخيراً بفعل مياه الأمطار".

وأكد العراقي أنّ "زهرة النيل من أكثر النبات المائي الغازي انتشاراً في العالم، وهي سريعة النموّ على سطح المياه العذبة، وتتضاعف في فترات قصيرة"، مضيفاً أنّ "هذا النوع من النبات سيستفحل ويتسبّب في مشكلات بيئية خطرة، إن لم توضع خطة حكومية شاملة".

في سياق متصل، نشرت صفحة "الاقتصاديون العراقيون" على موقع فيسبوك تدوينة أفادت فيها بأنّ "عشرات المليارات تُهدَر شهرياً" في سبيل إزالة زهرة النيل بطرق بدائية جداً، مبيّنةً أنّ ذلك يأتي "من دون فائدة" وبـ"نتائج مؤقتة فقط".

وشرحت أنّ في الإمكان القضاء على "زهرة النيل" بسهولة، من خلال طريقتَين: الأولى من خلال الحشرة التي تُعرَف باسم "سوسة زهرة النيل" والتي "تُباع في مختبرات بالأرجنتين وإثيوبيا". وأوضحت أنّ هذه الحشرة "مجازة من قبل منظمة الصحة العالمية لا تنقل الأمراض ولا تضرّ بأيّ نوع آخر من النبات لأنّها تتغذّى فقط على زهرة النيل".

أمّا الطريقة الثانية للقضاء على "زهرة النيل"، فهي من خلال "تحويلها من زهرة ضارة إلى نافعة"، لتصير "علفاً للحيوانات". وشرحت صفحة "الاقتصاديون العراقيون" أنّ ذلك ممكن من خلال "جمعها وتجفيفها وطحنها وخلطها مع الشعير والبروتين"، فتكون "ذات قيمة غذائية عالية جداً". وأوضحت أنّ "هذا الخيار مجاز (بدوره) من قبل منظمة الصحة العالمية، بوصفه من بين أحد أفضل العلف، لكن شرط تجفيف النبات لمدّة ثلاثة أيام على أقلّ تقدير.



عدسة: كرار جبار