أمّهات الشهداء ورايات عاشوراء
في كل عام، تحلّ ذكرى عاشوراء حاملةً معها معاني التضحية والصبر والثبات على الحق، لكنّها هذا العام تبدو أكثر التصاقاً بوجدان اللبنانيين في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت. لا تبدو عاشوراء مجرّد مناسبة دينية أو ذكرى تاريخية، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية لشعب اختبر بنفسه معنى الفقد والألم والصمود.
لقد مرّت على هذه المناطق أيام وأشهر وسنوات ثقيلة من الاعتداءات الإسرائيلية التي حصدت أرواح الأحبّة والأبناء والإخوة والأقارب، وخلّفت آلاف الجرحى ودمّرت القرى والبلدات والأحياء السكنية وجرفت البيوت والأرزاق والذكريات. وما زالت الاعتداءات مستمرة، وما زالت عائلات كثيرة تعيش انتظار أبنائها المفقودين أو المُختطفين.
لا يقتصر الأمر على آثار العدوان الماضية، إذ إن العدوان الإسرائيلي على لبنان ما زال مستمراً حتى اليوم. فالطائرات الحربية والمُسيّرات الإسرائيلية لا تزال تستبيح الأجواء اللبنانية بشكل شبه يومي، من الجنوب إلى البقاع وصولاً إلى بيروت، ناشرةً في السماء أصوات التهديد الدائم بالقتل والقصف والدمار. ومع ذلك، وفي مشهد يختصر معنى الصبر والثبات، لا تتردّد أمّهات الشهداء وذووهم وأصدقاؤهم وأبناء بيئة المقاومة في إقامة المجالس العاشورائية وإحياء الليالي الحسينية رغم كل المخاطر.
بل إن كثيرين منهم يصرّون على توزيع الطعام على الفقراء والمحتاجين عن أرواح الشهداء، وكأنهم يواجهون آلة الحرب والعدوان بفعل العطاء والتكافل والإيمان. وبينما تحلّق المُسيّرات فوق الرؤوس، تستمر المواكب والمجالس والحسينيات في أداء دورها الاجتماعي والإنساني، مؤكّدة أن ثقافة الشهادة لا تقتصر على التضحية في ساحات المواجهة، بل تمتد إلى خدمة الناس والتمسّك بقيم الرحمة والتضامن في أصعب الظروف.
في قلب هذه المعاناة تنتشر المَضائف وخيم العزاء ومجالس الذكر والصلاة على طرقات الضاحية والجنوب والبقاع. ترتفع الرايات السود والحُمر، وتصدح مُكبِّرات الصوت بذكر الإمام الحسين وأهل البيت الذين واجهوا الظلم ولم يساوموا على الحق. وإلى جانب شعارات الإمام الحسين والسيدة زينب وأبي الفضل العباس، ترتفع صور الشهداء من أبناء هذه الأرض، أولئك الذين انضموا إلى أهل البيت تاركين خلفهم أمهات وآباء وأطفالاً وأحلاماً مُعلّقة على جدران المنازل.
وفي كثير من الأحيان، يتداخل صوت المجالس الحسينية مع أزيز المُسيّرات الإسرائيلية التي تواصل انتهاك الأجواء اللبنانية، فيتحوّل إحياء عاشوراء إلى فعل تحدٍّ يومي يؤكّد أن الخوف لا يستطيع إخماد ذاكرة الشهداء ولا كسر إرادة الأحياء.
في عيون الأمهات الثكالى حكايات لا تنتهي. صور الأبناء في الساحات ليست مجرّد صور، بل شواهد على تضحيات في مواجهة الظلم والاحتلال والعدوان. ومع ذلك، فإن كثيراً من الأمهات يجدن في سيرة الحسين وأهل البيت عزاءً لا يشبه أيّ عزاء. فحين يصبح الشهيد جزءاً من مسيرة الحق التي يمثّلها الحسين، يتحوّل الحزن إلى صبر، وتتحوّل الدموع إلى قوة تمنع الانكسار.
ولعلّ أكثر ما يلفت النظر في هذه البيئة التي آلمتها الجراح هو قدرتها المُذهِلة على النهوض من تحت الركام. فهنا، في الضاحية الأبية الشامخة رغم كل ما أصابها، عاد الطلاب إلى مدارسهم وجامعاتهم يحملون كتبهم وأحلامهم. وعاد العمال إلى ورش البناء والإنتاج. وعاد الموظفون إلى مؤسساتهم التجارية والصناعية والسياحية. وعادت الحياة، لا لأن الجراح التأمت، بل لأن أصحابها قرّروا ألّا يسمحوا للجراح أن تهزمهم.
إنه انتصار من نوع آخر؛ انتصار الإنسان على الألم، وانتصار الإرادة على الخوف. فالمقاومة ليست فقط في ساحات المواجهة، بل أيضاً في القدرة على الاستمرار، وفي التمسّك بالحياة رغم الدماء والدمار والألم. المقاومة هي أمّ تواصل تربية أبنائها بعد استشهاد زوجها أو ولدها، وطالب يفتح كتابه ليدرس رغم تهديد العدو الإسرائيلي لبيته ومدرسته وقريته، وعامل يعيد بناء ما هُدّم وهو يعلم أن العدوان الصهيوني قد يعود في أي لحظة.
من هنا تبدو عاشوراء أكثر من مجرّد ذكرى. إنها مدرسة يومية يتعلّم منها الناس معنى الصبر والثبات وعدم التراجع عن القيم والمبادئ. فكما وقف الحسين في كربلاء رافضاً الاستسلام للظلم، يقف كثيرون اليوم متمسّكين بحقّهم في أرضهم وكرامتهم وحياتهم، مهما بلغت التضحيات.
لقد أثبت أهل الجنوب والبقاع والضاحية أن القوة الحقيقية ليست في القدرة على القتال فقط، بل في القدرة على الصبر. والصبر ليس استسلاماً للألم، بل هو رفضٌ لأن يتحوّل الألم إلى هزيمة. إنه صبر يصنع الأمل من بين الأنقاض، ويعيد بناء الحياة فوق الركام، ويحفظ للمجتمع تماسكه وثباته على الحق رغم حجم الخسائر.
هذا الشعب الجبّار، الذي حمل أوجاعه ومشى بها إلى أعماله ومدارسه وجامعاته ومساجده وحسينياته، يستحق الحياة حقاً. يستحقّها لأنه لم يسمح للمعاناة أن تسلبه إنسانيته، ولم يسمح للدمار أن يقتل إرادته، ولم يسمح للخوف أن يبدّل قناعاته أو يدفعه إلى التخاذل أو التردّد والتبدّل.
وفي عاشوراء، حين تمتزج دموع الحزن بكبرياء الصمود، تتجلّى حقيقة هذا الشعب أكثر من أيّ وقت مضى: شعب يؤمن بأنّ الحقّ لا يموت، وبأنّ التضحية لا تضيع، وبأنّ الصبر ليس مجرّد فضيلة، بل طريق إلى التحرّر والكرامة والبقاء.
إنّه شعب يستحقّ الحياة إذا ما وجد إليها سبيلاً، لأنه أثبت مراراً أنه قادر على صنع هذا السبيل مهما عظمت التحدّيات.