16 مركزا فقط لمواجهة الإدمان في العراق ..أكثر من 7 آلاف متعاف عادوا إلى المجتمع منذ 2023

منوعة 22 June 2026
كشف أرقام مراكز التأهيل في العراق عن فجوة واضحة بين اتساع ظاهرة تعاطي المخدرات ومحدودية الاستجابة العلاجية، إذ لا يمتلك البلد سوى 16 مركزا للتأهيل النفسي والطبي والاجتماعي، رغم عودة أكثر من 7270 متعافيا إلى المجتمع منذ عام 2023.

وبينما تؤكد الجهات المختصة أن فصل المتعاطين عن التجار مثّل تحولا مهما من منطق العقاب إلى العلاج، يرى مختصون أن احتواء الأزمة يتطلب توسيع مراكز التأهيل، وتعزيز خدمات الصحة النفسية، وتكثيف برامج الوقاية، خصوصا مع استهداف شبكات المخدرات فئة الشباب بين 16 و40 عاما.

ووفقا لتصريحات رسمية، أنشأ العراق 16 مركزا للتأهيل النفسي والطبي والاجتماعي، موزعة على عدد من المحافظات، بينها ثلاثة مراكز في بغداد. ويؤكد المعنيون أن أكثر من 7270 متعافيا عادوا إلى المجتمع منذ عام 2023، في مؤشر إيجابي على فعالية هذه المراكز.

غير أن هذه الأرقام، رغم أهميتها، تبدو محدودة قياسا بحجم المشكلة، إذ إن عدد المراكز الحالية لا يتناسب مع الكثافة السكانية. ويرى مختصون أن الحاجة الفعلية تتطلب مضاعفة عدد المراكز، خصوصا في المحافظات التي تشهد ارتفاعا ملحوظا في نسب التعاطي بين الشباب.

وفي قراءة صحية متخصصة، يؤكد المستشار الوطني للصحة النفسية في وزارة الصحة، الدكتور عدنان ياسين، أن الأمراض والمشكلات الخطيرة التي تصيب متعاطي المخدرات يمكن تقسيمها إلى مستويات مترابطة.

ويوضح ياسين، خلال حديثه لـ"المدى"، أن الجانب الجسدي يتمثل في الإصابة بأمراض خطيرة، بينها اضطرابات القلب، وارتفاع ضغط الدم، وتلف الكبد والكلى، وضعف الجهاز المناعي، فضلا عن احتمالية انتقال الأمراض المعدية نتيجة التعاطي بالحقن، إضافة إلى حالات الجرعات الزائدة التي قد تؤدي إلى الوفاة.

أما الجانب الاجتماعي، فيتمثل، بحسب ياسين، في التدهور التدريجي للعلاقات الاجتماعية، وفقدان الثقة، والعزلة، والانخراط في سلوكيات خطرة قد تقود إلى الجريمة. وفي الجانب العائلي، يشير إلى أن الإدمان يؤدي غالبا إلى تفكك أسري، ونزاعات مستمرة داخل الأسرة، وانهيار منظومة الدعم الاجتماعي.

ويضيف أن الجانب المهني والاقتصادي لا يقل خطورة، إذ يتعرض المدمن لفقدان العمل، أو الفصل الوظيفي، أو ترك الوظيفة، فضلا عن استنزاف الموارد المالية لتأمين شراء المواد المخدرة، ما يضع الأسرة في دائرة الفقر والديون.

إلا أن الأخطر، بحسب ياسين، هو الجانب النفسي، إذ تظهر أعراض تتمثل في الاكتئاب الحاد، والقلق المزمن، واضطرابات النوم، والهلاوس، والارتياب، وقد تتطور بعض الحالات إلى اضطرابات ذهانية أو ميول انتحارية.

ويشدد ياسين على أن هذه التداعيات تؤكد أن الإدمان اضطراب صحي ونفسي معقد، يتطلب تدخلا علاجيا متخصصا ومستداما، داعيا إلى تعزيز خدمات الصحة النفسية داخل مراكز التأهيل، وزيادة عدد الأخصائيين النفسيين والاجتماعيين.

من جانبه، يقول المتحدث باسم المديرية العامة لشؤون المخدرات والمؤثرات العقلية، عباس البهادلي، إن فصل المتعاطين عن التجار كان خطوة مهمة، بعدما كان المدمنون يزجون سابقا في السجون مع تجار المخدرات. ويضيف أن العراق أنشأ 16 مركزا للتأهيل، مشيرا إلى أن أكثر من 7270 متعافيا عادوا إلى المجتمع منذ عام 2023.

كما يشير البهادلي إلى أن ارتفاع أسعار بعض المواد المخدرة، مثل الكريستال، من 10 آلاف دينار للغرام إلى نحو 200 ألف دينار، يعكس تراجع العرض داخل السوق المحلية نتيجة العمليات الأمنية.

ويحذر من أن الفئة الأكثر استهدافا من قبل شبكات المخدرات هي الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و40 عاما، واصفا ذلك بأنه استهداف مباشر للطاقات المنتجة، ومحاولة لإفراغ البلد من رأس ماله البشري.

ويمثل هذا التحول من العقاب إلى العلاج خطوة متقدمة، لكنه يحتاج إلى استكمال عبر بنية علاجية أوسع، وبرامج متابعة طويلة الأمد للمتعافين.

بدورها، تؤكد الناشطة رقية سلمان، خلال حديثها لـصحيفة "المدى"، أن الشباب العراقي يتمتع بوعي متزايد تجاه مخاطر المخدرات، إلا أن الكثيرين ما زالوا يفتقرون إلى المعرفة الكافية بالآثار الصحية والنفسية والاجتماعية والقانونية المترتبة على التعاطي.

وتدعو سلمان إلى الاهتمام بمراكز التأهيل وتطوير خدماتها العلاجية والنفسية، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي للمتعافين، وتهيئة بيئة مناسبة تساعدهم على الاندماج مجددا في المجتمع. كما تؤكد أهمية تكثيف حملات التوعية في المدارس والجامعات والأماكن العامة، لتعزيز ثقافة الوقاية وحماية الشباب من الوقوع في براثن الإدمان.

وتضيف أن المتعافين يحتاجون إلى دعم مجتمعي حقيقي يتيح لهم استعادة حياتهم الطبيعية بعيدا عن الوصم الاجتماعي، مبينة أن منحهم فرصة جديدة في التعليم والعمل يسهم في الحد من الانتكاسة.

من جانبه، يؤكد القانوني محمد جمعة أن المتعاطي عليه أن يعلم أن نهاية طريق المخدرات هي إما الموت أو السجن.

ويضيف جمعة، خلال حديثه أن ذهاب المتعاطي طوعا إلى مراكز التأهيل يجعله محصنا من العقوبات القانونية بموجب المادة 40 من قانون المخدرات والمؤثرات العقلية لسنة 2017، إذ لا يمكن إقامة دعوى جزائية بحقه، ويعفى من العقوبات القانونية.

ويمثل هذا النص القانوني فرصة مهمة لتشجيع المتعاطين على طلب العلاج من دون خوف من الملاحقة القانونية، إلا أنه يحتاج إلى حملات توعية أوسع لتعريف المواطنين بالخيارات العلاجية المتاحة وحقوقهم القانونية، بما يسهم في إنقاذ المزيد من الأشخاص من الوقوع في دوامة الإدمان.