حين يصبح الصمت شريكًا للباطل.. أين اختفت كلمة الحق؟

مقالات 01 July 2026
بقلم: عدنان الاسدي

ليس أخطر ما تعيشه الشعوب أن يكثر الفاسدون، بل أن يقلّ الذين يملكون شجاعة الوقوف في وجوههم. فكم من سياسي يعتلي المنصات متحدثًا عن الإصلاح ومحاربة الفساد، ثم لا يلبث أن يتمسك بامتيازاتٍ استُقطعت من حقوق المواطنين، أو يلوذ بالصمت عندما يرى الباطل واضحًا، لأن المصالح المشتركة أصبحت عند البعض أغلى من المبادئ.

إن الصمت أمام الظلم ليس حيادًا، بل موقفٌ يمنح الباطل مساحةً أكبر للتمدد. فالحق لا يحتاج إلى من يصفق له، وإنما إلى من يدافع عنه عندما يصبح الدفاع عنه مكلفًا.

ولعل التاريخ الإسلامي يقدم أوضح الصور في هذا الميدان. فقد وقف ميثم التمار أمام عبيد الله بن زياد معلنًا الحقيقة التي آمن بها، وهو يعلم أن نهايتها ستكون الشهادة. لم يساوم، ولم يبحث عن مخرج، فكان الصلب جزاءه، لكنه بقي رمزًا للثبات، بينما بقي اسم جلاده مقرونًا بالظلم.

ولم يكن ميثم وحده. فعندما جلس يزيد بن معاوية يضرب بقضيبه ثنايا الإمام الحسين بن علي عليه السلام، نهض رجلٌ أعمى بين الحاضرين وقال بصوتٍ سمعه الجميع: "ارفع قضيبك عن هاتين الثنيتين، فوالله لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله يقبلهما." لم تمنعه إعاقته من قول الحق، ولم يرهبه سلطان يزيد، فخلّد التاريخ موقفه، لأن الكلمة الشجاعة قد تكون أبلغ من السيوف.

واليوم، ونحن نستحضر تلك المواقف، يحق لنا أن نسأل: أين أصحاب كلمة الحق؟ ولماذا أصبح كثيرون يرفعون شعارات الإصلاح ما دامت لا تمس مصالحهم، فإذا تعارض الحق مع المنصب أو الامتياز أو النفوذ، اختاروا الصمت؟

إن كلمة الحق لا تُقاس بعدد من يرددها، وإنما بعدد من يتحمل تبعاتها. ولذلك كان أهلها قليلين في كل زمان، لأن طريقها محفوف بالتضحيات، بينما طريق المجاملة مفروش بالمكاسب.

لقد أثبت التاريخ أن الأمم لا ينهض بها أصحاب المصالح، بل أصحاب المواقف. فما قيمة الخطب الرنانة إذا عجز صاحبها عن مواجهة الظلم؟ وما جدوى الحديث عن العدالة إذا كان السكوت هو الموقف كلما انتُهكت حقوق الناس؟

ختاماً...

سيبقى التاريخ يكتب أسماء الذين قالوا كلمة الحق في وجه السلطان الجائر بحروفٍ من نور، وسيطوي صفحات الذين آثروا الصمت حفاظًا على مكاسبهم. فالحق لا ينتصر بكثرة أنصاره، بل بثبات رجاله، وما أحوج أوطاننا اليوم إلى رجالٍ يرون في كلمة الحق واجبًا لا خيارًا، لأن خلاص الشعوب يبدأ من ضميرٍ لا يساوم، ولسانٍ لا يخشى إلا الله .

الوسوم: عدنان الاسدي