يوم الحسين (عليه السلام) من أيام الله

مقالات 11 July 2026
بقلم: حسن كاظم الفتال

بسم الله الرحمن الرحيم

(وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) ـ إبراهيم / 5

وقائع كثيرة وأحداث متعددة إندرجت أيام وقوعها في حقل التميز أي إنفردت بأبعادها وبصيغ ونمط وقوعها ونالت ما لم ينل غيرها من الأثر والإنعكاس والوقع في النفوس ولعلها شكلت منعطفات أو مفاصل تأريخية بمسيرة حياة الشعوب وترتبط هذه الأحداث والوقائع تلقائيا بمصير المجتمعات. لذا تهتم الشعوب غاية الإهتمام وكامل الرعاية باستذكار الأيام التي وقعت فيها هذه الأحداث أو الوقائع وتعدها إنجازا تأريخيا من أبهى مفاخر تراثها الديني والثقافي والشعبي والإنساني وتعتزم على أن تدرج هذه الأحداث ضمن سلسلة المناقب والمآثر لأنها تحمل الكثير من معاني القيم الإنسانية وتتصل بالأعراف والتقاليد والسلوكيات. وغالبا ما يحدث أن تجتذبَ هذه المآثرُ أناسا آخرين من خارج هذه المجتمعات حيث تستهويهم فيستعذبون ويستحسنون مثل هذه الإبراقات فيحثهم الشوق لأن يلتحقوا بركب المعيدين ذكراها فيشاركون بالإستذكار والإحتفاء بيوم الذكرى، حيث أن تلك الأيام تفتح للناس آفاقا واسعة للتأمل وللتفكر للمتذكر من هذه الاستعادة فضلا عن أنها تساهم في صيانة جمالية التأريخ المعني به المجتمع وتشكل معلما من معالم الحضارة الإنسانية، خصوصا حين يكون هذا اليوم هو تخليدا ليوم من أيام الله أو ما يُذَكِر بأيام الله. ورب العزة والجلالة هو القائل : (وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ) ـ إبراهيم / 5

ترى ما ايام الله ؟

أيام الله كثيرة وواجبة الذكر وثمة دعوات مباركة للحث على استذكارها وليس غريبا أن يزداد الذاكر لها والمذكر بها عزة وتشرفا وابتهاجا .

ومن المفسرين من يعرف أيام الله بانها تلك التي تشير إلى أيام أرخت نصر الأنبياء السابقين وأممهم والأيام التي شملتهم النعم الإلهية بفيضها فيها وهم على استحقاق لتلك النعم .

ألا يحق لنا أن نعد يوم الطف من ايام الله جل وعلا؟ 

حيث وقف فيه ريحانة رسول الله صلى الله عليه وآله ودافع وانتصر لكل الرسالات السماوية التي جاء بها الرسل والأنبياء وخاتمهم النبي محمد صلى الله عليه وآله وقد سجل نصرا باهرا ربما ليس بالحسابات العسكرية إنما بالحسابات المعنوية والقيمية بتحقيق ما نوى وعزم وأصر على تحقيقه حيث خلد التأريخ موقفه وبقي شاخصا سرمديا أبديا وسَيَّرَ خصوم العقيدة والقيم والمبادئ إلى الفناء وظل يومه خالدا يترنم بذكره كل الأحرار. 

والإمام الصادق صلوات الله عليه - لما سئل عن العلة التي من أجلها صار يوم عاشوراء أعظم الأيام مصيبة دون اليوم الذي قبض فيه النبي صلى الله عليه وآله وفاطمة عليها السلام وقتل علي عليه السلام والحسن عليه السلام قال : إن يوم الحسين عليه السلام أعظم مصيبة من جميع سائر الأيام، وذلك أن أصحاب الكساء الذين كانوا أكرم الخلق على الله تعالى كانوا خمسة.. فلما قتل الحسين عليه السلام لم يكن بقي من أهل الكساء أحد للناس فيه بعده عزا وسلوة، فكان ذهابه كذهاب جميعهم كما كان بقاؤه كبقاء جميعهم.

ومما يخبر ويبين بأن ليس أجل واقدس وأعظم وأشد الما وحزنا من يوم الإمام الحسين صلوات الله عليه هو قول أخيه الإمام الحسن حين يخاطب أخاه صلوات الله عليهما بقولته المشهورة: (لا يوم كيومك يا ابا عبد الله) والإمام زين العابدين عليه السلام كان يقول: (أيما مؤمن دمعت عيناه لقتل الحسين عليه السلام حتى تسيل على خده، بوأه الله بها في الجنة غرفا يسكنها أحقابا).

وأما الإمام الرضا عليه السلام فهو القائل: (إن يوم الحسين أقرح جفوننا وأسبل دموعنا، وأذل عزيزنا يا أرض كربلاء أورثتنا الكرب والبلاء إلى يوم القيامة).

والإمام الصادق صلوات الله عليه يقول عن عطش الحسين صلوات الله عليه: (ما شربت ماءً بارداً إلاّ وتذكرت عطش الحسين بن علي صلوات الله عليهما ) وقال عليه السلام: ( ما من عبد شرب الماء فذكر الحسين ولعن قاتله إلاّ كتب له مائة ألف حسنة وحطّ عنه مائة ألف سيئة).

كل هذه الأحاديث والروايات ومثلها ما لا يحصى عددا تشير تلميحا وتصريحا إلى أن يوم الحسين عليه السلام من الأيام التي تميزت بالتأريخ بكل مراحله ولم يكن يشابهه يوم بكل مكنوناته وصيغه بآلامه ومأسيه ومصائبه التي أدمت العيون وآلمت القلوب. 

لذا فإن المجتمعات الواعية والمنتمية للمدرسة الحسينية المحمدية الإنسانية والرافضة كل ظلم وظلام وطغيان وجبروت وكل ما يلتحق بها تستذكر بكل فخر واعتزاز يوم الحسين عليه السلام.

إذ أن مما لا يرقى له الشك ولا يخفى على كل قاصٍ ودانٍ أن الإمام الحسين صلوات الله عليه شخصية كونية فريدة متفردة بكل مزاياها وبكل مكنوناتها وسماتها وتوصيفاتها عجز الكون ان يأتي بتوأم له او شبيه لا من قبل ولا من بعد ولم يسبقه أحد ممن أُصدر له الموتُ شهادةَ ميلاده الحقيقية يوم استشهاده.

فقد رحل ملتحقا بجده يسبق بلوغَه الجنان السعدُ والشموخ والإباء والزهو والكبرياء والعنفوان العقائدي. 

التحق بجده ليكون في مقعد صدق عند مليك مقتدر ليحف به الشهداء والصديقون والصالحون وحسن أولئك رفيقا وترك نورا يمتد إشراقه إلى ما لا نهاية ليضيء نفوس وعقول وضمائر الأجيال المتطلعة للكرامة والعيش الرغيد.

جمالية النور الحسيني أبدية سرمدية

اراد صلوات الله عليه بهذا النور أن يسري بنا عاليا لنتمظهر فيه بأرقى درجات الألق والجمال الروحي والعقلي والنفسي للتحرر وتستجلي بنا المراتب وتروضنا لبلوغ الكمال، وحفزنا صلوات الله عليه على أن نتقمص الزهو والعنفوان ونتأهل للبس السندس الأخضر الاستبرق، وعَبَّدَ لنا دربا لنسلكه فنبلغ مكامن المحاسن بيسر وسهولة وباطمئنان والظفر بكل ما يمت للإنسانية بصلة ويحقق سمات الآدمية الحقة لنا . وذلك كان مدعاةً لأن نكون على تماس تام مع إنبثاقات إيحاءات قيمه ومبادئه وتوهجاتها وتجذبنا شدة الحنين وبصدق للتفاعل والذوبان مع جوهر هذه التوهجات ومآزرتها لنتخذ منها مسارات للإتصال بمنهجيته وننحاز غاية الإنحياز إلى تطبيق مفاهيمها تطبيقا سليما والتطبع بكل ما يمكن التطبع به من المفاصل والجزئيات لتلك المنهجية ونتيقن ونقر ونسلم بأبهى صور التسليم أنه حي حاضر نعاصره معاصرة الأحياء إذ هو من أول وأبرز وأحق المعنيين بقوله تعالى : ( وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ ) ـ آل عمران / 169 فهو إذاً الحاضر الخالد الذي لا سرمد بعده.  

هذا الإحساس العميق والتصور الأنيق والتأمل الصادق يحقق لنا المشروعية في احقية الإرتباط الروحي والعقلي برجل استشهد من أجل أن ننعم بأمننا وأماننا وإنتمائنا إلى جوهر آديمتنا.. ترى ماذا سيخلف رحيله في النفوس؟ 

رحل صلوات الله عليه فخلف رحيله قلوبا ملتهبةً بالمرارة واللوعة والحسرة والحرارة التي لا تبرد أبدا. 

وحق لنا أن ندخر في أذهاننا خلود ذكراه لتبقى مترسخة عالقة بالألباب لا تغادرها ونصر وبكل عزم على مقارعة كل عناصر وعوامل الغفلة والنسيان والسهو ولا ندع ذكرى يومه الأليم تغادر مخيلاتنا أو لا تقترن بأفكارنا وتأملاتنا فإنها امتزجت بطبائعنا وارتبطت بعمق الفطرة السليمة وانصهرت بالطبائع التي راحت تتنامى في روحية الأجيال وتنشأ معها فتجعلها أكثر تمسكا بكل جلالة وقداسة تراثها العقائدي الحسيني، سيد الشهداء الذي هو مصباح الهدى يوما ما كاد الطغيان أن يزج سحابات سود لتتخطف الإبراق علها تمد ظلال التعتيم على نوره النقي المشع بالجلالة والقداسة أو تحجب شيئا من إشراقته المتوهجة . إنما وهج عصمته وملكوت ولايته التكوينية والتشريعية أزاح كل دجى وأبعد كل عتمة وملأ الكون نورا تستنير به البصائر والألباب قبل المحاجر. 

فدون التأريخ ذلك اليوم طي سجله سفرا خالدا وثق به انبثاق النور وانتصاره على كل ظلمة وظلم.

وجعله غير قابل للمحو أو الإزاحة وأعده من أيام الله الذي لا يمحو تدوينه كرور الأيام والليالي ولا يزاحمه أي تدوين بالجدول الزمني وبأي مفكرة زمنية لأنه يوم الحسين عليه السلام الذي هو موعد التقاء القرآن الصامت بالقرآن الناطق وتعريف القرآن الناطق لمعاني القرآن الصامت ونشر مفاهيمه ومعانيه.