المنبر الحسيني صوت الانسانية ورسالة تربوية
المنبر الحسيني مدرسة تربوية ووجدانية، يغذي الروح بمشاعر الحزن والمواساة لأهل البيت (عليهم السلام). ولا يقتصر هدفه على البكاء فحسب، بل يمتد ليكون غذاءً يعيد للروح حيويتها عبر التزود بالقيم النبيلة، الصبر، والتضحية، هو صرح متكامل يمزج بين البعد الروحي (لتهذيب النفوس وبناء الوجدان) والبعد الأكاديمي (لنشر المعرفة والعقيدة الرصينة). وهو ليس مجرد أداة لإحياء الذكرى، بل مدرسة علمية وتربوية متجددة.
المنبر الحسيني مدرسة رسالية متكاملة، تتجاوز حدود العزاء والخطاب العاطفي لتصبح مشروعاً شاملاً لصناعة الوعي، وترسيخ قيم الإصلاح، ومقارعة الفساد والظلم. يستلهم المنبر مبادئ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) في كل زمان ومكان، ليحقق جملة من الأهداف الجوهرية وهي: أولاً، الدعوة إلى إحقاق الحق، إرساء دعائم العدالة، ونصرة المظلومين في مواجهة الطغيان. وثانياً، وبناء وعي جمعي يرفض القبول بالذل، ويدعو للتحلي بالحرية المسؤولة والكرامة. وثالثاً، ولم شمل الأمة وجمع كلمتها لمواجهة الفساد والانحراف الفكري والاجتماعي. ورابعاً واستثمار إحياء الفعاليات العاشورائية لإنتاج حراك مجتمعي رافض للباطل ومتمسك بالقيم الإلهية. وهذا ما شاهدنا في جمهور طرف العباسية، وكانت الرداد تعالج التحديات المعاصرة والأزمات الأخلاقية، مقدماً نموذجاً عملياً يرفض الظلم والفساد.
ولا يختلف اثنين على أن عميد المنبر (الشيخ الوائلي) شكل نموذجاً رائداً يدمج بين التحصيل الأكاديمي (مثل الدكتوراه) والخطابة، ممهداً الطريق لخطاب حسيني يخاطب العقول ويواكب لغة العصر.. فيما كان موكب جمهور طرف العباسية في كربلاء امتداداً حقيقياً للمنبر الحسيني، حيث يُمثل منبراً شعبياً حياً لا يقتصر على إحياء الذكرى فحسب، بل يوظف القصائد والردّات لمعالجة الأزمات الأخلاقية، ومواجهة الظلم والفساد، وتسليط الضوء على معاناة الناس وقضاياهم بجرأة.
ونظراً لسمو رسالة المنبر، يُعد أي تصنيف أو تقييم له خارج سياقه الرسالي تقليلاً من شأنه، إذ يجب أن يبقى مستقلاً وموجهاً أساسياً للتربية والتوجيه. المنبر الحسيني صوت الانسانية ورسالة تربوية لا ينتمي الى المنبر الاكاديمي الذي يدعو اليه بعض الكتاب. أما المنبر الأكاديمي يبني العقل بالمعلومات، بينما المنبر الحسيني يبني الروح والضمير بالقيم. كلاهما مهم في مجالاته، لكن رسالة المنبر الحسيني تبقى رسالة رسالية ورسالة إنسانية شاملة لا يمكن حصرها في قوالب أكاديمية بحتة.
المنبر الحسيني يعمل على غرس مكارم الأخلاق والقيم السامية في نفوس الأجيال، وتهذيب السلوك، ومعالجة الظواهر الاجتماعية السلبية من خلال توجيه النقد البنّاء ونشر الوعي الديني والثقافي، ويُعد امتداداً لرسالة عاشوراء التي قامت على نصرة المظلومين، ورفض الظلم والطغيان، والدعوة إلى الحرية والعدالة. يهدف المنبر إلى إعادة صياغة الضمير الإنساني وجمع كلمة الأمة ضد الفساد والانحراف. ينتقل بالجمهور من مجرد التفاعل العاطفي والبكاء إلى الفهم العميق لأهداف النهضة الحسينية، مما يجعله طاقة دافعة للعمل الصالح، والبناء المجتمعي، والتضحية في سبيل الحق.
ولو قارنا بين المنبر الحسيني والمنبر الأكاديمي: المنبر الحسيني (رسالة تربوية ووجدانية) الجميع يتفق عليه لكونه هدف الأساسي لاقامة العزاء لسيد الشهداء الامام الحسين عليه السلام في بناء الإنسان روحياً وأخلاقياً، وإحياء القيم والمبادئ الإنسانية العليا التي ضحى من أجلها الإمام الحسين (عليه السلام) وتعتمد طريقة الطرح على الموعظة، والخطاب العاطفي، والربط بالواقع اليومي للمشاركين في العزاء وهو يخاطب جميع فئات المجتمع ومستوياتهم الفكرية والعلمية في وقت واحد من خلال الأداة المباشر ويكون غالبا بالكلمة الصادقة البريئة والتلقائية وما تسمى على الفطرة، وهو يسرد السيرة العطرة، بالشعر، والمراثي التي تحرك الوجدان. أما المنبر الأكاديمي هو (الدرس المعرفي)الذي ينقل المعرفة، وتدريس العلوم، والبحث المنهجي الدقيق. وطريقة الطرح التي يعتمد عليها هو التحليل المنطقي، النظريات، والبحث العلمي القائم على الأدلة والبراهين. وجمهوره غالباً ما يكون جمهوراً متخصصاً أو طلاب علم يتلقون تعليماً منهجياً. يعتم في الأداة على المناهج الدراسية، الكتب المنهجية، والمحاضرات العلمية.
المنبر الأكاديمي يبني العقل بالمعلومات، بينما المنبر الحسيني يبني الروح والضمير بالقيم. كلاهما مهم في مجالاته، لكن رسالة المنبر الحسيني تبقى رسالة رسالية ورسالة إنسانية شاملة لا يمكن حصرها في قوالب أكاديمية بحتة، وإعلامية متكاملة؛ فهو ليس مجرد مساحة للسرد التاريخي أو العاطفي، بل منبر للوعي ومصنع للقيم. يجمع بين التأثير الوجداني الشعبي لتوحيد الجماهير، والعمق المعرفي والأكاديمي لتحليل قضايا الفكر، والعقيدة، والإصلاح الاجتماعي.
المنبر يعمل كصمام أمان لتعزيز الهوية الثقافية والدينية، ومكافحة الانحرافات الأخلاقية من خلال استلهام قيم التضحية والإصلاح. ويمثل صرخة دائمة لنصرة الحق والدفاع عن مبادئ ثورة الإمام الحسين (عليه السلام). وتوضيح الأحكام الشرعية، وتفنيد الشبهات بطريقة منهجية. فهو يتجاوز الطرح السطحي ليناقش خلفيات الثورة الحسينية وأبعادها التاريخية والسياسية والاجتماعية بعمق. يدعو الباحثون إلى ضرورة ربط الخطاب المنبري بالواقع الاجتماعي المعاصر لحاجة الشباب الماسة لفهم دينهم في ظل تحديات العولمة.
نقطة ضوء، يستمر المنبر الحسيني في أداء رسالته التبليغية لتعزيز الوعي وبناء الإنسان فكرياً وروحياً