أكثر من 564 ألف أسرة تعيلها نساء.. والإعانات الحكومية لا تكفي لتأمين الاحتياجات
وتكشف الأرقام الرسمية حجم هذه الظاهرة؛ إذ أكدت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية، في تصريح لصحيفة المدى العراقية ، وجود أكثر من 564 ألف أسرة تعيلها نساء من مختلف الفئات، تتقاضى إعانات اجتماعية تجاوزت قيمتها 84 مليار دينار عراقي، وهو ما يعكس اتساع شريحة النساء اللواتي يتحملن مسؤولية إعالة أسرهن في ظل ظروف اقتصادية معقدة.
ويعكس تزايد أعداد الأسر التي تعيلها النساء تحديا اقتصاديا واجتماعيا متناميا، فالإعانات الحكومية، على أهميتها، لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية في ظل ارتفاع أسعار السلع والخدمات، الأمر الذي يدفع العديد من النساء إلى البحث عن أي مصدر دخل، حتى وإن كان في أعمال غير مستقرة أو تفتقر إلى الحماية القانونية والاجتماعية.
وتجسد قصة أم نرجس، البالغة من العمر 55 عاما، جانبا من معاناة آلاف النساء العراقيات. فقد اضطرتها الظروف المعيشية الصعبة إلى مغادرة قضاء الحمزة الشرقي جنوب محافظة الديوانية، والمتاخم للعاصمة بغداد بنحو 150 كيلومترا، متوجهة إلى محافظة كربلاء أملا في العثور على فرصة عمل، مستفيدة من الحركة التجارية والزائرين الذين تستقبلهم المدينة على مدار العام.
لكن رحلة البحث عن وظيفة مستقرة انتهت إلى واقع مختلف، إذ لم تجد سوى رصيف تفترشه لبيع الملابس المستعملة والبخور وبعض المستلزمات البسيطة، في محاولة لتوفير الحد الأدنى من احتياجاتها وإعالة بناتها الثلاث.
وتقضي أم نرجس ساعات طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة وفي مختلف الظروف الجوية، مترقبة زبونا قد يوفر لها دخلا يوميا بسيطا، إلا أنها لا تزال تؤمن بأن العمل الشريف، مهما كانت قسوته، يبقى الوسيلة الوحيدة للحفاظ على كرامتها وتأمين مستقبل بناتها.
وفي قراءة مختلفة للمشهد، قال نائب رئيس الاتحاد العام لنقابات العمال في العراق، رحيم الغانمي،لصحيفة المدى، إن نسبة عمل المرأة العراقية في الشارع لا تتجاوز 2% إلى 3%، مشيرا إلى أن أغلب العاملات الموجودات في التقاطعات والشوارع هن من العمالة الأجنبية غير العراقية، ولا سيما من الجنسيات السورية والبنغالية والباكستانية.
وأضاف الغانمي أن القرار الذي اتخذه رئيس مجلس الوزراء بشأن غلق مكاتب العمل المخالفة يعد «قرارا شجاعا»، مبينا أنه سيسهم في الحد من انتشار العمالة الأجنبية غير المنظمة التي تسيء، بحسب تعبيره، إلى صورة المرأة العراقية في المجتمع.
وأكد أن هذه الإجراءات من شأنها تنظيم سوق العمل وحماية فرص التشغيل للعراقيين، معربا عن أمله في استمرار الخطوات الحكومية الداعمة للقطاع العمالي وتعزيز الرقابة على ملف العمالة الأجنبية.
وتسلط هذه التصريحات الضوء على جانب آخر من القضية، يتمثل في ضرورة التمييز بين النساء العراقيات اللواتي يعملن اضطرارا لإعالة أسرهن، وبين واقع العمالة الأجنبية غير المنظمة، بما يستدعي سياسات متوازنة تنظم سوق العمل وتحمي الفئات الأكثر هشاشة.
من جانبه، قال المدير التنفيذي لصندوق العراق للتنمية، محمد النجار، لـ«المدى»، إن النساء يعانين من قلة فرص العمل في القطاع الخاص، ولا سيما اللواتي لا يمتلكن شهادات دراسية أو معيلا يؤمن لهن مصدر دخل.
وأضاف أن هذا الواقع يدفع الكثير منهن إلى العمل في مهن شاقة، مثل العمل على الأرصفة والطرقات ومعامل الطابوق وغيرها من الأعمال التي لا توفر بيئة عمل آمنة أو دخلا مستقرا يضمن لهن حياة كريمة.
وأكد النجار ضرورة أن تعمل وزارة العمل، بالتعاون مع القطاع الخاص والمؤسسات الدولية والمنظمات المحلية والدولية، على بناء قاعدة متكاملة لمساعدة هؤلاء النساء في إيجاد فرص عمل مناسبة تتوافق مع قدراتهن وظروفهن، إلى جانب إطلاق برامج للتدريب والتأهيل المهني، وتقديم قروض ميسرة للمشاريع الصغيرة، بما يعزز التمكين الاقتصادي للمرأة، ويوفر لها مصدرا مستقرا للدخل، ويسهم في الحد من الفقر وتحقيق الاستقرار الاجتماعي.