معركة الفساد.. الأمور بخواتيمها

مقالات 14 July 2026
بقلم: عادل الجبوري

حظيت الحملة التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي مؤخرًا، لمحاربة الفساد وملاحقة كبار الفاسدين، بترحيب وارتياح شعبي واسع، وتأييد ودعم وتشجيع من قبل مختلف الأوساط والمحافل السياسية والدينية والثقافية.

وهذا شيء طبيعي ومتوقع، لا سيما أن الزيدي اتخذ خطوات شجاعة وجريئة وغير مسبوقة طيلة الثلاثة والعشرين عامًا المنصرمة، تمثلت بإلقاء القبض على عدد من كبار السياسيين والمسؤولين الحكوميين ورجال الأعمال المتورطين بعمليات فساد كبرى ونهب فاضح للمال العام، ووضع اليد على كميات هائلة من الأموال المسروقة بطرق وأساليب مختلفة، مع تأكيد وتعهد من الزيدي باستمرار ما بدأ به، وجعل المعركة ضد الفساد والفاسدين من أبرز أولويات حكومته، لاسيما وأنه ضمّنها في برنامجه الوزاري الذي عرضه أمام مجلس النواب، وقبل ذلك أقره الإطار التنسيقي.

وفي خضم أجواء الارتياح والترحيب الشعبي والسياسي العام، لاحت بعض الهواجس والمخاوف من أن تفقد هذه الحملة غير المسبوقة زخمها بعد فترة من الزمن، بسبب ضغوطات وحلول ومعالجات لا تتناسب مع مستوى خطورة الحقائق المتكشفة، من قبيل إطلاق سراح بعض الفاسدين لأسباب "صحية وإنسانية"، وإجراء تسويات مالية مع البعض الآخر تفضي إلى خروجهم من السجن بشكل أو بآخر، أو ربما يصطدم الزيدي بعد حين بحقائق ووقائع، يرى هو والمعنيون بهذا الملف، أن الكشف عنها وملاحقة أطرافها قد يتسبب في تداعيات خطيرة تهدد استقرار النظام السياسي ومنظومة الدولة والمجتمع.

وربما تبدو مثل تلك الهواجس والمخاوف مبررة ومعقولة، حينما تقفز إلى الأذهان ما عرفت بقضية (سرقة القرن)، وهروب الرأس الأكبر فيها، ألا وهو نور زهير، ومغادرته البلاد بصورة غامضة وغريبة، صيف عام 2024، وضعت الكثير من علامات الاستفهام، وأوجدت أجواءً من الشكوك حول جدية أصحاب القرار في محاربة الفساد، وإنزال القصاص العادل برموزه، وتفكيك كل شبكاته، وتجفيف منابعه.

يمكن لرئيس الوزراء أن يبدد كل تلك الهواجس والمخاوف، من خلال المزيد من الخطوات والإجراءات الواضحة والشفافة، المتمثلة بالدرجة الأساس، في استهداف وملاحقة رؤوس ودوائر الفساد الكبيرة، ووضعها خلف القضبان، لأن ضرب كبار الفاسدين سيؤدي إلى سقوط صغار الفاسدين بسهولة وبساطة، ولكن العكس لا يحقق الهدف المطلوب، لأن بقاء الكبار أحرارًا طلقاء بعيدًا عن طائلة القانون والقضاء، سوف يتيح لهم حماية الصغار وتوفير الملاذات الآمنة لهم. بعبارة أخرى، يفترض أن تنطلق عملية محاربة الفساد من المستويات العليا نزولًا إلى المستويات الدنيا، لا العكس.

والأمر الآخر، يتمثل في توسيع نطاق العملية زمانيًا ومكانيًا، بحيث لا تقتصر على فترة أو فترات زمنية محددة، بل لا بد أن تشمل الفترة الممتدة من الإطاحة بنظام صدام في ربيع عام 2003 وحتى يومنا هذا، وألا تقتصر على محافظات ووزارات ومؤسسات معينة دون غيرها، لأن الفساد وشبكاته الكبرى، تمدد واستفحل كثيرًا، في كل المفاصل، حتى إنه تجاوز الحدود الجغرافية للبلاد ووصل إلى دول قريبة وبعيدة.

والأمر الثالث، لا بد أن تترافق حملة محاربة الفساد مع عمل متواصل ودؤوب في الملفات الخدمية والتنموية، باعتبار أن تفكيك شبكات الفساد سيتيح تفعيل وتسريع وتيرة مشاريع التنمية والإعمار والنهوض في مجالات الكهرباء والصحة والتربية والتعليم والإسكان والزراعة والصناعة. والأموال التي استردت وسوف تسترد من الفاسدين يمكن استثمارها في إنجاز العديد من المشاريع، وفي معالجة جزء من مشاكل وأزمات المجتمع، وتأمين بعض من احتياجات ومتطلبات أفراده.

قد تبرز العديد من الإشكاليات والعراقيل والمعوقات السياسية والفنية أمام معركة الفساد، وهذا شيء طبيعي جدًا، ارتباطًا بكمّ التراكمات الهائل، وبحجم الفساد الفاضح، وشبكاته المعقدة والممتدة طوليًا وعرضيًا.

فهناك اليوم حتى من الذين أعلنوا تأييدهم ودعمهم الزيدي في العلن، قد يعملون في الخفاء على وضع العصي في الدواليب، لأن مصالحهم ستتضرر، ووجودهم سيتهدد، وجرائمهم ستتكشف، ومن غير المستبعد أن يصل الأمر بالبعض منهم أن يعمد إلى خلط الأوراق وإثارة الفوضى، وأكثر من ذلك السعي إلى تقويض أركان النظام وعموم العملية السياسية، على قاعدة (عليّ وعلى أعدائي)، أو (لتغرق السفينة وكل من فيها).

وفي قبال ذلك، فإنه لا خيار أمام رئيس الوزراء وفريقه المساعد إلا الاستمرار بذات القوة والزخم الذي انطلقت به الحملة أو المعركة ضد الفساد، لأن أي تهاون أو تلكؤ أو تراجع سيبدد كل النتائج الإيجابية المتحققة، أو التي من المنتظر والمؤمل أن تتحقق.

وقد لا نبالغ إذا قلنا إن الانتصار في معركة الفساد لا يقل أهمية عن الانتصار المتحقق في معركة الإرهاب قبل حوالي عشرة أعوام، فإذا كان الإرهاب يحصد الأرواح ويبدد الثروات ويعطل الحياة، فإن الفساد يفعل نفس الشيء إن لم يكن أكثر وأسوأ، ولكن بأدوات ووسائل وأساليب مختلفة.

فتدني الجوانب الخدمية الأساسية، وضعف البنى التحتية، وعدم حدوث تطور ملموس في مجالات الصناعة والزراعة والنقل، وضعف الاستثمار، ووجود الكثير من مكامن النقص والخلل في قطاعي التربية والتعليم العالي، يرتبط في مجمله بالفساد الإداري والمالي المستشري في مختلف مفاصل الدولة، كما يستشري السرطان في الجسد ليقضي عليه تمامًا بعد حين من الزمن، إلا إذا تم استئصال الأورام الخبيثة بعمليات جراحية كبرى عديدة، وهذا بالضبط ما ينبغي أن يحصل إذا أريد للفساد أن ينحسر ويتقلص ويتلاشى.

وبالتالي فإن العملية الكبرى الأولى، التي طالت خلايا سرطانية خبيثة وخطيرة جدًا، وإن كانت مهمة للغاية، إلا أنها غير كافية، ويتطلب الأمر عمليات أخرى أوسع وأشمل، حتى يتعافى العراق من سرطان الفساد.