قاسم وتلال الذهب

مقالات 15 July 2026
بقلم: علي حسين

قبل أيام تناول الصحفي والكاتب اللبناني غسان شربل في مقاله الأسبوعي في صحيفة الشرق الأوسط، حملة الحرب على الفساد في العراق، ووسط المقال ذكر عدداً من رؤساء العراق ومنهم عبد الكريم قاسم حيث كتب: "الزعيم عبد الكريم قاسم كان فقيراً لدى إعدامه على يدِ البعث في 1963. لم يكن يملكُ شقة".

ربما سيسخر البعض من هذه العبارة ويقول: يا رجل كان عبد الكريم قاسم دكتاتوراً عسكرياً، لا يفقه في السياسة شيئاً، لكني يا سادة لم أخصص هذا العمود للحديث عما جرى قبل أكثر من نصف قرن، فما يجري من أحداث ومواقف في بلاد الرافدين تجعلنا والحمد لله لا نلتفت إلى الماضي، بل نتحسر على المستقبل الذي يربطه البعض بانتخابات البرلمان كل أربع سنوات، ولهذا ليس أمامك عزيزي القارئ، سوى أن تترك سيرة عبد الكريم قاسم، وتتأمل ما يجري في بلاد الرافدين، وكيف استطاع وكيل وزارة (عدنان الجميلي) أن يخبئ في إحدى مزارعه، تلاً من الذهب وزنه 375 كيلو غرام، حتماً سوف يقول البعض إن المتهم بريء حتى تثبت إدانته حسب نظرية تيار الحكمة الذي أخبرنا "مشكوراً" أن حسين طالب مديراً عاماً لشركة توزيع المنتجات النفطية، لم يرتكب جريمة، وإنما مخالفة إدارية بسيطة لا تستحق كل هذه الضجة.

بعد مرور أكثر من 60 عاماً على مشهد إعدام عبد الكريم قاسم في مبنى الإذاعة، ما تزال الناس تذكر زهد ونزاهة هذا الرجل، ولا يزال كبار السن يتحدثون عن المسؤول الأول في الدولة الذي لم يكن يحمل في جيبه أكثر من دنانير معدودة، ربما يقول البعض بأنه السبب في القضاء على النظام البرلماني في العراق، وإذا سألت عن رأيي فيه سأقول كلاماً لا يرضي محبيه.

منذ 2003 والبعض يريد أن يجعل من حاضر هذه البلاد ومستقبلها وقوداً وحطباً من أجل الماضي، فهناك فريق، مدفوعاً بكرِه العهد الجمهوري، لا يرى في عبد الكريم قاسم سوى مشهد مقتل العائلة المالكة، وهو مشهد مُدان بالتأكيد. وهناك من يرى في عصر عبد الكريم قاسم قمة الكمال ويقارنه بما يجري الآن من خراب وغياب للوطنية.

لم يسرق عبد الكريم قاسم أو ينهب ولم يكن يمتلك ثروات مهربة، ولم يكتب اسمه يوماً في أحد البنوك، ولم يشترِ الشقق في بيروت ولندن، ولم يخصص لنفسه منافع اجتماعية بلغت ملايين الدولارات، ولم يشرع قانوناً لزيادة راتبه، ولم يذكر أحد أنه كان شريكاً من الباطن في شركات للمقاولات، ولم يتردد اسم أحد من أقاربه في مشروعات استثمارية غامضة تخطف أموال الناس في وضح النهار، فلماذا إذن في كل مناسبة نجد من يحمّل الرجل ما جرى من خراب خلال العقود الماضية؟ لا أريد أن أدخل في سجال حول هل الملكية أصلح أم الجمهورية؟ لكن الذين يقرأون التاريخ جيداً يعرفون أن هناك صفحات بيضاء في الحكم الملكي وأيضاً هناك صفحات سوداء وقاتمة.