عندما تصبح الشهادة سلعة والجامعة سوقاً.. من أزمة التعليم في بريطانيا إلى كارثة العراق
في كل زاوية من زوايا العالم، يعيش التعليم العالي أزمة وجودية تزداد تعقيداً مع مرور الأيام. فبينما تتصارع الحكومات مع ميزانياتها، وتتنازع المؤسسات الأكاديمية بين هويتها الرسالية وضرورات البقاء المالي، يبقى السؤال الأعمق معلقاً في الهواء: هل ما زالت الجامعة مشروعاً لبناء الإنسان، أم أنها تحولت إلى مجرد سلعة في سوق لا يرحم؟
قبل أيام، تجولت في أروقة مقطع فيديو للاقتصادي البريطاني ريتشارد ميرفي، وهو يتحدث بعنوان «الجامعات البريطانية تُقتل بسياسات حكومية نيوليبرالية متعمدة»، فتملكني شعور غريب بالوجع والدهشة. ذلك الرجل، رغم لغته الانكليزية وحديثه عن جامعات لندن وأكسفورد، كان يشرح بلسان فصيح وجعاً نعيشه في العالم العربي، ويسرد بدقة متناهية واقع التعليم المأزوم في العراق على وجه الخصوص.
إن ما يحدث في بريطانيا اليوم ليس مجرد أزمة مالية عابرة، بل هو ثمرة سياسات ممتدة لأكثر من عقد من الزمان، حوّلت التعليم العالي إلى سوق نيوليبرالية تتنافس فيه الجامعات كشركات، ويُعامل الطالب كزبون يبحث عن منتج اسمه "شهادة".
والنتيجة؟ جامعة بريطانية من بين كل خمس جامعات تواجه اليوم خطراً مالياً جسيماً، وتخصصات تُلغى، وموظفون يُسرحون، وفجوة تمويلية هائلة خلفها تشديد قيود الهجرة على الطلاب الدوليين الذين كانت الجامعات تعتمد عليهم لسد عجز ميزانياتها.
لكن المأساة الحقيقية، والتي انجلت لي وأنا أشاهد ميرفي، تكمن في أن هذه السلبيات التي بدأ يتذوق مرارتها النظام التعليمي البريطاني مؤخراً، ليست سوى أمراض مزمنة متجذرة في عمق الجسد التعليمي العربي منذ عقود. فنحن لم نعرف يوماً التعليم كوسيلة لزرع الفضول الفكري أو تنمية التفكير النقدي، بل تعودنا عليه كمنظومة قائمة على التلقين والحفظ الأعمى واجتياز الامتحانات للحصول على شهادة جافة. واليوم، نرى هذا الداء ينتقل إلى المنظومات الغربية التي لطالما تغنينا بجودتها، لكن الفرق جوهري: ففي الغرب بدأ الداء حديثاً، أما في بيئتنا العربية فقد أصبح متأصلاً لدرجة جعلت النظام التعليمي يفقد بوصلته الإنسانية والمعرفية تماماً.
وما يجعل هذه المقارنة أكثر قسوة وأشد إيلاماً، هو أن هذه السياسات التجارية المشوهة حينما انتقلت إلى عالمنا العربي، والعراق تحديداً، لم تأتِ وحدها، بل تقاطعت بشكل كارثي مع منظومة فساد مالي وإداري مرعبة. هذا التزاوج غير الشرعي بين جشع الخصخصة وفوضى الفساد أنتج طفرة مشوهة تجسدت في الانفجار العشوائي والجنوني للتعليم الأهلي. تحولت الكليات والجامعات الأهلية في الكثير من الأحيان إلى مجرد واجهات استثمارية ومشاريع ربحية لجهات متنفذة، تبيع الشهادات لمن يدفع، وتخفض معدلات القبول في تخصصات علمية وإنسانية حساسة مقابل أموال طائلة، دون أي اكتراث بمعايير الكفاءة أو حاجة السوق الحقيقية.
في العمق، يكمن جوهر الأزمة في تحول فلسفي خطير: تجريد التعليم من قيمته الأخلاقية والاجتماعية باعتباره "منفعة عامة" تلتزم بها الدولة لبناء الوعي، وتحويله إلى "سلعة تجارية" يخضع لقوانين العرض والطلب. هذا التحول جعل الطالب "زبوناً" يبحث عن شهادة كمنتج، والجامعة "شركة" تبحث عن الربح والنمو المالي للبقاء، مما أدى إلى انهيار المضمون المعرفي وقتل أثمن ما يملكه الإنسان: الفضول الفكري والتفكير النقدي.
لقد أصبحت المدارس والجامعات، بفعل الركض وراء المؤشرات والأرقام، مجرد "مصانع تلقين" تُدرب الطلاب على حفظ الأجوبة لاجتياز الامتحانات، وليس على طرح الأسئلة أو تفكيك الواقع، مما أنتج أجيالاً غير قادرة على التفكير الحر أو الحوار العقلاني. وها هو ميرفي ينبه إلى أن العديد من الطلاب يصلون إلى الجامعات البريطانية وهم يفتقرون إلى مهارات التفكير النقدي العميق، لأنهم تدرّبوا ببساطة على اجتياز الامتحانات، لا على مواجهة الأفكار أو مناقشتها.
ويخلص ميرفي في نهاية تحليله إلى رؤية بديلة لإعادة بناء التعليم العالي حول ثلاثة مبادئ أساسية: الفضول الذي يدفع الإنسان لاكتشاف المجهول، والتواصل الذي يتيح للبشر صياغة الأفكار ومناقشتها بعيداً عن التعصب، والمجتمع باعتبار الجامعة هي الحاضنة والركيزة الأساسية لتطوير البيئة المحلية وحمايتها. وكل هذا لا يمكن أن يتحقق طالما بقي التعليم أسيراً لجشع الخصخصة والسياسات التجارية.
خرجت من هذا الفيديو وأنا أدرك تماماً أن ناقوس الخطر الذي يدق في بريطانيا اليوم بسبب تحويل التعليم إلى سوق تجاري، هو ذاته الإعصار الذي يضرب عقول أجيالنا في العراق والعالم العربي. لقد تناسينا أن الجامعة هي قلب المجتمع النابض ومصنع الوعي والثقافة، وحولناها بفعل الفساد والخصخصة غير المنضبطة إلى مجرد مؤسسات تمنح وثائق تخرج تزيد من طوابير البطالة. لنبقى ندور في حلقة مفرغة، نشتري فيها الوهم بأموالنا، ونضحي بمستقبل أوطاننا على مذبح الربح السريع، بينما الحل الحقيقي يبدأ باعتراف بسيط: إما أن نعيد للتعليم روحه الإنسانية، وإما أن ندفع ثمن ذلك بأجيال كاملة تائهة بين شهاداتها وواقعها.