"تريليونات" تحت الركام.. كيف تخطط الحكومة لإعادة الحياة لـ"1800" مشروع متلكئ؟
1800 مشروع متلكئ
ويقول الخبير الاقتصادي احمد عبد ربه، إن “وجود أكثر من 1800 مشروع متلكئ لا يعني فقط تجميد عشرات التريليونات من الدنانير، بل يمثل خسارة اقتصادية مركبة، لأن الأموال التي أنفقت من دون تحقيق عائد رافقتها خسائر أكبر تمثلت في تعطيل النمو الاقتصادي، وتأخير تقديم الخدمات، وحرمان آلاف المواطنين من فرص العمل، فضلاً عن ضياع فرص استثمارية كان من الممكن أن تحفز القطاع الخاص وتزيد الناتج المحلي، فيما يؤدي تأخير إنجاز مشاريع البنى التحتية إلى ارتفاع كلف تنفيذها مستقبلاً بفعل التضخم وارتفاع أسعار المواد والعمالة”.
ويضيف، أن “الإجراءات التي تتبناها الحكومة، ومنها تصنيف المشاريع، وتوفير التمويل للمشاريع ذات نسب الإنجاز العالية، وسحب العمل من الشركات المتلكئة، تعد خطوات صحيحة وتعكس وجود إرادة لمعالجة هذا الملف، لكنها لا تمثل الحل النهائي، بسبب أن المشكلة تراكمت على مدى سنوات نتيجة ضعف التخطيط، وإحالة بعض المشاريع إلى شركات غير كفوءة، وضعف الرقابة والمتابعة، فضلاً عن التغييرات المستمرة في الأولويات الحكومية”.
إجراءات حكومية صارمة
ويبين عبد ربه، أن “حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي تتجه إلى معالجة الأسباب وليس النتائج فقط، من خلال إعادة تقييم المشاريع، وتحديد أولوياتها، وربط التمويل بمعدلات الإنجاز الفعلية”.
ويتابع، أن “منع تكرار هذه الظاهرة يتطلب الجمع بين المساءلة والإصلاح، فمن الضروري ملاحقة الشركات والجهات المقصرة قانونياً، واسترداد الأموال متى ما ثبت وجود هدر أو فساد، بالتوازي مع إصلاح منظومة تنفيذ المشاريع الحكومية بالكامل”.
ويشير إلى أن “ذلك يشمل اعتماد عقود أكثر صرامة، وتأهيل الشركات المنفذة وفق معايير فنية ومالية دقيقة، وتفعيل الرقابة الرقمية على نسب الإنجاز، وربط صرف المستحقات بمراحل التنفيذ الفعلية، إلى جانب تعزيز الشفافية ونشر بيانات المشاريع أمام الرأي العام”.
فرصة لتنشيط الاقتصاد
ويوضح الحبير عبد ربه، أن “نجاح الحكومة في تنفيذ هذه الإصلاحات من شأنه أن يحول ملف المشاريع المتلكئة من عبء على المالية العامة إلى فرصة لتنشيط الاقتصاد، ورفع معدلات النمو، واستعادة ثقة المستثمرين بقدرة الدولة على إدارة مشاريعها بكفاءة”، وفقاً للعالم الجديد.
ويعد ملف المشاريع المتلكئة واحد من أكثر الملفات تعقيداً في الإدارة الحكومية العراقية، إذ تراكمت مئات المشاريع على مدى سنوات من دون إنجاز، رغم تخصيص مبالغ مالية ضخمة لها، الأمر الذي انعكس على مستوى الخدمات والبنى التحتية في مختلف المحافظات، وأبقى العديد من القطاعات الحيوية دون استكمال.
عشرات ترليونات الدنانير
وفي أحدث تطور، كشفت لجنة الخدمات النيابية، عن وجود أكثر من 1800 مشروع متلكئ في بغداد والمحافظات، موزعة على قطاعات حيوية تشمل الطرق والجسور، والماء والمجاري، والمدارس والمستشفيات والمراكز الصحية، والكهرباء والطاقة، إضافة إلى مشاريع الإسكان والبنى التحتية والخدمات البلدية.
وأوضحت اللجنة في تصريح صحفي، أن أسباب تعثر هذه المشاريع تعود إلى مجموعة من العوامل المتراكمة، أبرزها ضعف التمويل أو تأخر إطلاق التخصيصات المالية، والمشكلات الإدارية وتأخر الإجراءات التعاقدية، إلى جانب إخفاق بعض الشركات المنفذة في تنفيذ التزاماتها، فضلاً عن تغيير التصاميم والكشوفات أثناء التنفيذ، والنزاعات القانونية والعقارية المتعلقة بمواقع المشاريع، وضعف الرقابة والمتابعة، وفي بعض الحالات وجود شبهات فساد.
وبحسب اللجنة، فإن قيمة الأموال المرصودة لهذه المشاريع تختلف من قطاع إلى آخر ومن محافظة إلى أخرى، إلا أن إجمالي التخصيصات يقدر بعشرات التريليونات من الدنانير، نتيجة تراكم المشاريع المتوقفة عبر سنوات، وهو ما أدى إلى استنزاف كبير للمال العام من دون تحقيق الفائدة المرجوة أو استكمال المشاريع التي ينتظرها المواطنون.
كما أشارت إلى أن مسؤولية هذه المشاريع لا تقتصر على جهة واحدة، وإنما تتوزع بين الوزارات القطاعية المختصة، والحكومات المحلية، والجهات التعاقدية والمشرفة على التنفيذ، والشركات المنفذة، فضلاً عن الجهات الرقابية المكلفة بمتابعة نسب الإنجاز والالتزام ببنود العقود.
تقييم شامل لجميع المشاريع
وفي إطار البحث عن حلول، طرحت اللجنة حزمة من المقترحات لمعالجة الملف، تضمنت إجراء تقييم شامل لجميع المشاريع وتصنيفها وفق نسب الإنجاز والأهمية، وتوفير التمويل للمشاريع القابلة للإكمال مع إعطاء الأولوية للمشاريع الخدمية، وسحب العمل من الشركات المتلكئة وإحالته إلى شركات كفوءة وفق القانون، فضلاً عن تفعيل الرقابة والمحاسبة بحق المقصرين والمتسببين بهدر المال العام، وإزالة المعوقات القانونية والإدارية، واعتماد جداول زمنية ملزمة مع نشر نسب الإنجاز بشكل دوري لتعزيز الشفافية.
وبين أرقام تتحدث عن أكثر من 1800 مشروع متوقف، وتخصيصات تقدر بعشرات التريليونات من الدنانير، يبقى نجاح أي خطة حكومية مرهوناً بالانتقال من مرحلة تشخيص أسباب التلكؤ إلى مرحلة التنفيذ الفعلي والمحاسبة، لأن استكمال هذه المشاريع لا يعني إنهاء ملف إداري فحسب، بل يمثل اختباراً لقدرة الدولة على استعادة المال العام وتحويله إلى خدمات ملموسة للمواطنين.