البرلمان ينبش أرشيف الموازنات.. هل تكشف الحسابات الختامية أسرار الهدر؟

تقارير 31 July 2026
بعد أكثر من عقد على بقاء الحسابات الختامية حبيسة الأدراج، عاد البرلمان ليفتح واحداً من أكثر الملفات المالية أهمية في تاريخ الدولة العراقية، في خطوة لا تتعلق بمراجعة أرقام قديمة بقدر ما ترتبط بإعادة تقييم كيفية إدارة مئات المليارات التي أُنفقت خلال سنوات شهدت أعلى الإيرادات النفطية وأكبر الأزمات الأمنية والاقتصادية في البلاد.

ومع عودة هذا الملف إلى قبة البرلمان، بدأت الخلافات السياسية تطفو على السطح بشأن آلية حسمه، بين أطراف تدعو إلى المضي بالمصادقة عليه باعتباره استحقاقاً دستورياً، وأخرى تطالب بعدم الاكتفاء بإقرار الأرقام وربطها بمحاسبة المسؤولين عن أي مخالفات أو هدر للمال العام، وبينما يرى مختصون أن هذه الخطوة تعيد الاعتبار للدور الرقابي للمؤسسة التشريعية، يترقب آخرون ما إذا كانت مراجعة الحسابات ستقود إلى مساءلة حقيقية للمخالفين أم ستنتهي بإغلاق ملف ظل مؤجلاً لسنوات.

وأنهى مجلس النواب، خلال جلسته المنعقدة السبت (25 تموز 2026)، القراءة الأولى لمشاريع قوانين المصادقة على الحسابات الختامية للسنوات المالية 2012 و2013 و2014 و2015، في خطوة تعيد هذا الملف إلى المسار التشريعي بعد سنوات طويلة من التعطيل. 

تفعيل الدور الرقابي

وتقول عضو مجلس النواب عن الحزب الديمقراطي الكردستاني جيمن بارزاني، إن “إعادة فتح ملف الحسابات الختامية المتأخرة تمثل خطوة أساسية لإعادة تفعيل الدور الرقابي للمؤسسة التشريعية، وإنهاء واحدة من أبرز التراكمات المالية التي رافقت عمل الدولة خلال السنوات الماضية”. 

وتضيف، أن “الحسابات الختامية ليست إجراء شكلياً، بل تمثل الأداة الدستورية التي تمكن مجلس النواب من معرفة واقع الإنفاق العام، ومقارنة ما خُصص في الموازنات بما أُنفق فعلياً، بما يسهم في تشخيص مواطن الخلل والهدر وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة”. 

حماية موارد الدولة

وتؤكد بارزاني، أن “المرحلة الحالية تفرض إنهاء هذا الملف، في ظل التحديات الاقتصادية والمالية التي يواجهها العراق، لأن بناء موازنات أكثر كفاءة يتطلب الاعتماد على بيانات دقيقة وحسابات ختامية مكتملة، وليس على تقديرات أو مؤشرات غير مكتملة”. 

وتشير إلى أن “حسم الحسابات الختامية لا يقتصر على إغلاق تراكمات مالية امتدت لسنوات، بل يمنح الجهات الرقابية والقضائية قاعدة واضحة لممارسة دورها في متابعة أي مخالفات أو تجاوزات قد تكون رافقت إدارة المال العام، بما يعزز الانضباط المالي ويحمي موارد الدولة”. 

ولا يعد تأخر الحسابات الختامية وليد السنوات الأخيرة، إذ سبق أن شرعت الحكومات المتعاقبة بمحاولات لإرسالها إلى مجلس النواب دون أن يكتمل مسار المصادقة عليها؛ ففي عام 2019 أعلنت الحكومة آنذاك قرب إنجاز الحسابات الختامية لعدة سنوات مالية، إلا أن الملف بقي معلقاً، لتتواصل التراكمات حتى عاد إلى البرلمان مجدداً بعد سنوات.

وكانت سنة 2014 تمثل العقدة الأبرز في هذا الملف، بعدما تعذر إقرار الموازنة العامة بسبب الخلافات السياسية وتزامنها مع اجتياح تنظيم داعش وإجراء الانتخابات البرلمانية، ما دفع الحكومة آنذاك إلى اعتماد آليات استثنائية للإنفاق، وأخر استكمال الحسابات الختامية للسنوات اللاحقة. 

ومع وصول مجلس النواب إلى مراحل متقدمة من مناقشة الحسابات الختامية، برزت خلافات سياسية بشأن كيفية التعامل مع بعض السنوات المالية، إذ دعت أطراف نيابية إلى إعادة فتح الحسابات الختامية لما قبل 2012، وفي هذا السياق، طالب رئيس كتلة الإعمار والتنمية، بهاء الأعرجي، بإعادة فتح ملفات الحسابات الختامية السابقة وعدم الاكتفاء بالمصادقة عليها، مؤكداً أن الرقابة البرلمانية لا ينبغي أن تنتهي بإقرار الأرقام. 

تصحيح المسار المالي

من جانبها، تؤكد عضو مجلس النواب منى سوادي، أن “إعادة فتح ملف الحسابات الختامية لا تستهدف أي جهة أو حكومة بعينها، وإنما تأتي في إطار ممارسة مجلس النواب لدوره الدستوري في الرقابة على المال العام وتعزيز مبادئ الشفافية والمساءلة”. 

وتقول سوادي، إن “الغاية من مراجعة الحسابات الختامية الوقوف على واقع الإنفاق العام، ومدى الالتزام بما أقرته الموازنات، وتشخيص أوجه الخلل أو الهدر إن وجدت، بما يساعد على تصحيح المسار المالي والإداري”. 

وتضيف، أن “إقرار الموازنات من دون حسم الحسابات الختامية كان يضعف الرقابة البرلمانية ويؤخر تقييم الأداء المالي للدولة، لذلك فإن تحريك هذا الملف يمثل استحقاقاً دستورياً وقانونياً طال انتظاره، ويعزز ثقة المواطنين بوجود رقابة حقيقية على إدارة المال العام”. 

وتوضح، أن “المصادقة على الحسابات الختامية لا تعني إغلاق الملفات أو إعفاء أي جهة من المسؤولية، وإنما توفر وثيقة مالية رسمية يمكن للجهات الرقابية والقضائية الاستناد إليها عند رصد أي مخالفات أو تجاوزات، بما يضمن حماية المال العام ومنع تكرار الأخطاء في السنوات المقبلة”. 

ويرى مختصون أن تعثر إقرار الحسابات الختامية طوال السنوات الماضية لم يكن مرتبطاً بالجوانب الفنية فقط، بل تأثر أيضاً بالخلافات السياسية، وتراكم السلف غير المسواة، وضعف استجابة بعض المؤسسات لمتطلبات التدقيق، ما أدى إلى بقاء أحد أهم أدوات الرقابة البرلمانية خارج التطبيق الفعلي لسنوات.

معيار تقييم الأداء

إلى ذلك، يرى الخبير الاقتصادي صادق الركابي، أن “أهمية إعادة فتح هذا الملف في الوقت الحالي تكمن في أن العراق يواجه تحديات مالية تتطلب أعلى درجات الانضباط والرقابة، وهو ما لا يمكن تحقيقه من دون مراجعة دقيقة للحسابات الختامية، لأن البرلمان من خلالها يستطيع مقارنة الواقع المالي بما أقرته الموازنات، ومعرفة أسباب الفروقات والانحرافات في الإنفاق”. 

ويضيف أن “الموازنة تعكس ما تخطط الحكومة لإنفاقه، أما الحسابات الختامية فتوضح ما جرى إنفاقه فعلياً وما تحقق من إيرادات، ولذلك فهي المعيار الحقيقي لتقييم الأداء المالي وكفاءة إدارة الموارد العامة”. 

تشخيص مواطن الهدر

ويشير الركابي إلى أن “الحسابات الختامية تكشف أيضاً حجم الإنفاق خارج التخصيصات، والسلف المالية غير المسواة، وحقيقة الإيرادات المتحققة من النفط والضرائب والمنافذ الحدودية، كما توفر مؤشرات دقيقة عن المشاريع التي خصصت لها أموال ولم تحقق النتائج المطلوبة، وهو ما يساعد في تشخيص مواطن الهدر ومعالجة أوجه القصور”. 

ويؤكد، أن “استكمال الحسابات الختامية لا يقتصر على مراجعة سنوات مضت، بل يمثل قاعدة أساسية لإعداد موازنات أكثر واقعية في المستقبل، إذ لا يمكن تقييم أداء الوزارات أو بناء موازنات قائمة على البرامج والأداء من دون بيانات مالية مكتملة تعكس النتائج الفعلية للإنفاق والإيرادات، الأمر الذي يعزز الرقابة ويحد من تكرار الأخطاء والهدر في السنوات المقبلة”.

في حكومتي نوري المالكي الأولى والثانية (2006 – 2014) لم تُقر الحسابات الختامية في مواعيدها الدستورية، وبلغت الفوضى المالية ذروتها عام 2014 الذي أديرت فيه الدولة بلا موازنة عامة وبآلية صرف (1/12)، أما في حقبة حيدر العبادي (2014 – 2018) جرى تمرير الحسابات الختامية المتراكمة لسنوات (2006 – 2011) دفعة واحدة تحت قبة البرلمان عبر تسويات سياسية.



المصدر: العالم الجديد