الأكشن بنسخته العراقية
في السينما، لا يذهب المشاهد إلى صالة العرض بحثًا عن الحقيقة، بل عن الإثارة يتقبلّ المطاردات والأنفجارات والمفاجآت لأنه يعرف منذ اللحظة الأولى، أنه أمام سيناريو كُتب ليشد إنتباهه، لا ليُقنع عقله، لكن ماذا يحدث عندما تغادر هذه السيناريوهات شاشة السينما، وتجد طريقها إلى الخطاب السياسي؟
في العراق، يبدو أن بعض التصريحات لم تعد تُبنى على قاعدة : ماذا حدث ؟ بل على قاعدة : كيف نجعل الحدث أكثر إثارة ؟ فتتحول الوقائع إلى حبكات، والتصريحات إلى مشاهد، والمؤتمرات الصحفية إلى عروضٍ تستولد الأسئلة أكثر مما تقدم الإجابات..
ولعل أكثر ما يلفت الأنتباه أن الخطاب الرسمي، أحياناً يتعامل مع مواقع التواصل الاجتماعي كما لو أنها صالة العرض الأولى، هناك تُصاغ السيناريوهات، ويُقاس نجاحها بعدد المشاركات والتفاعلات، لا بما تُقدِّمه من حقائق وأدلة وتوضيحاتٍ مرئيةٍ تُقنع الرأي العام..
ليس المطلوب من المسؤول أن يكون كاتب سيناريو، ولا أن يبحث عن الحبكة الأكثر تشويقاً.. فالدولة لا تُدار بالمفاجآت، بل بالحقائق، ولا تُبنى الثقة بالإثارة، بل بالدليل، وكلما كانت الرواية استثنائية، كان من الطبيعي أن يطالب الرأي العام بأدلة استثنائية أيضًا..
المواطن العراقي لم يعد يرفض الرواية لأنها صادمة، بل لأنه سئم من روايات تبدأ بضجيج كبير وتنتهي بصمت أكبر..
لقد تعلّمنا من كثرة التجارب أن الحقيقة لا تحتاج إلى مؤثرات خاصة، وأن الوقائع لا تحتاج إلى مخرج بارع، بل إلى مؤسسات تحترم عقل الناس وتصارحهم..
ولعل أخطر ما يمكن أن يحدث في أي دولة أن تتحول السياسة إلى صناعةٍ للأكشن، وأن يصبح الخبر الأكثر إثارة هو الأكثر تداولًا، لا الأكثر صدقًا. فحين تتقدم الرواية على الحقيقة، يصبح الشك هو اللغة المشتركة بين الدولة والمواطن..
والعراق لا يحتاج إلى نسخةٍ محلية من أفلام الأكشن، ولا إلى بطولاتٍ تُصنع أمام الكاميرات، بل إلى مؤسساتٍ تُدرك أن قوة الدولة لا تُقاس بقدرتها على إنتاج الروايات، وإنما بقدرتها على تقديم الحقيقة كاملة، مدعومةً بالأدلة، وقادرةً على إقناع مواطنيها قبل أن تطلب منهم التصديق.