في ذكرى فقد النبي محمد ﷺ.. جسدٌ غادر وسيرةٌ لم ترحل
في ذكرى فقد النبي محمد ﷺ
لا نستحضر مجرد يوم رحيل، بل نستحضر حياة حافلة بالآلام والمحن، قضاها في سبيل تبليغ الرسالة، ومواجهة التكذيب والأذى، حتى قال يصف نفسه: «ما أوذي نبي مثل ما أوذيت».
لقد ذاق ﷺ من قومه ألوانًا شتى من الأذى؛ كُذب، اتهم بالسحر، الكهانة، الجنون.
وتحمل من المشاق ما لا يحتمله أحد.
ولم تتوقف محاولات النيل منه عند هذا الحد بل امتدت عبر القرون، حتى وصلت للكتابات الغربية التي صورتهُ بصورٍ شتى، كان بعضها أقرب إلى الأساطير.
فقد نُسبوا إليه روايات مضحكة -حاشاه عن ذلك- فزعموا أنه لم يكن يتلقى الوحي، وإنما كان يدرب حمامة يضع لها حبات القمح في أذنه، لتلتقطها فيقول أن الوحي قد نزل!
وسطروا أنه وضع القرآن على قرن بقرة وأخرجه إلى الناس، في محاولة لربط القرآن الكريم بسورة البقرة، وتفسير النص القرآني بتفسيرات ساذجة.
والادهى من ذلك زعموا أن النبي ﷺ ما كان يحدث له عند نزول الوحي لم يكن اتصالًا بالسماء، وإنما حالة صرع.
لماذا كل ذلك؟
لأن إسقاط الوحي يعني إسقاط المصدر الإلهي للقرآن الكريم، وتحويل الإسلام من رسالة سماوية إلى مشروع بشري صنعه محمد ﷺ.
ولا بد أن نعي من يتحمل مسؤولية هذه الإساءات؟
هل يتحملها أصحاب الأقلام وحدهم؟
أم يتحمل جزءً منها الذين عرفوا محمد ﷺ ولم يقدّموا سيرته للعالم بشكلها الصحيح؟
حاولوا أن يجعلوا منه أسطورة بشرية، فبقيت سيرته حية.
وحاولوا أن يجعلوا القرآن صناعة بشرية، فبقي يتلوه الملايين، ويؤثر في القلوب والعقول.
رحل محمد ﷺ بجسده، لكن رسالته لم ترحل؛ وغاب عن الدنيا شخصه، وبقي أثره حاضراً في كل صلاة، وفي كل أذان، وفي كل آية تُتلى، وفي كل قلب عرف مقامه وآمن برسالته.
فالنور لا تطفئه الكلمات، والحق لا يسقطه الافتراء، وسيرته باقية في قلب كل من يعرف الحق.