مياه حلوة ومياه آسنة.. رسالة إلى رئيس حكومة ما..!

مقالات 15 August 2026
بقلم: قاسم حول

كنت أسأل نفسي، منذ أن قرأت قصة الطوفان في الأسطورة السومرية، التي دونت على سبع ألواح طينية، جملة تقول.. “إن مياه النهر تصب في البحر العظيم” لم تكن التقنية ممكنة في تلك العصور الغابرة من تغيير مجرى الأنهار، لتروي بساتين النخيل بدلا من هدر المياه الحلوة لتمتزج بالمياه المالحة في البحر العظيم..!

 إن تغيير مجرى نهر شط العرب حين يصل مدينة البصرة سوف يخلق خليجا بديلا في مدينة المعقل ميناء محافظة البصرة، فتدخل البصرة مياه الخليج المالحة وتشكل خليجا طبيعيا ترسو عنده البواخر، وتدخل من خلاله الأسماك البحرية ليستفيد منها المواطن البصري والعراقي، كثروة سمكية عظيمة، وكغذاء مجاني واقتصادي، كما نحتفظ بمياهنا الحلوة لكي تبقى في العراق، ولا تروح هدراً نحو البحر العظيم، لتروي الظمأ البصري وظمأ العراقيين وظمأ النخيل وتروي البساتين، وتنعش الزراعة!! 

لقد مر على استقلال الدولة العراقية الحديثة أكثر من مائة عام، ولا تزال مياه العراق تصب في البحر العظيم..!

تتكون مياه شط العرب من نهري دجلة والفرات. وهي مياه صافية وحلوة مياه دجلة صافية، زرقاء اللون بشكل واضح، وكان حتى لما قبل أكثر من خمسين عاما هي هكذا، وهي تعانق مياه بنهر الفرات بلونه الأخضر، يلتقيان في مدينة “القرنة” والنهران لا يمتزجان بسهولة، فيستمران متجاورين في نهر واسع عريض يجريان بلونين الأزرق والأخضر، حتى مدينة البصرة فيمتزجان سوية ويصبح لون شط العرب مائل إلى البنفسجي الفاتح، وليس الفاقع، وهو نفس مبدأ الوان الطيف الشمسي، حين تعالج من خلال المنشور الزجاجي.

وهذه الظاهرة وحدها يمكن الاستفادة منها لو كان لنا وطن، لأصبحت مدينة القرنة موقعا سياحيا نادرا يمكن أن تحقق إيرادات تفوق إيرادات النفط، ونترك النفط مخزونا لأوقات الشدائد..! لاستفدنا من مياه البحر كميناء ترسو فيه البواخر والسفائن، وكثروة سمكية بحرية لا تنضب، وجعلنا من المياه الحلوة كل شيء حي، فنسقي النخيل وننعش المدن الناعسة على ضفاف النهرين والشاطئ..! 

إن هبوط الوعي الاجتماعي، والوعي المعرفي، والوعي الحضاري يمكن أن يقضي على الحياة، التي يشكل الماء حيويتها وحياتها، وبدونه لكانت الحياة قد جفت وسادها الموت والصمت..!

لم تفكر أية سلطة أتت لهذا العراق المسكين، أن تنظف الأنهار و”تكريها” أي تنظفها من الشوائب والأوساخ..! 

إن تدني وعي المواطن، وتدني مستوى وعي السلطة وقدرتها على بناء الدولة، جعلت من المياه ملجأ للنفايات، فإن مياه التصريف ونفايات المستشفيات من الدم ونفايات المرضى، ونفايات الأدوية، كلها تصب في النهر العظيم، وفي كل أنهار العراق، وأضاف الدكتاتور التافه الأحمق، إخفاء المواد النووية والكيميائية في أنهار العراق بعيداً عن أعين مؤسسات الرقابة الدولية التي تراقب حصول النظام الدكتاتوري على اليورانيوم، دون أي اعتبار للقوانين الدولية، ودون أي اعتبار لصحة وحياة المواطن العراقي الذي يتساوى عنده مع اللا شيء الذي كثيرا ما يلقيه بعد قتله في النهر مشدوداً لعمود من الحديد كي لا يطفو..! 

والأنهار التي تجانب المزارع وتروي غابات النخيل التي تمر من بينها الشوارع الترابية بين المدن، يتخذ منها العراقيين أماكن للاستراحة في ترحالهم.. وكل ما تعنية الاستراحة عند شواطئ الأنهار، ليستفيدوا من المياه في الوضوء قبل الصلاة، وما قبل الوضوء!! فالأنهار والمياه هي مشروع تفشي الأمراض المزمنة من البلهارزيا، وسوى ذلك معتقدين حتى الأيمان، بأن المياه الجارية هي مياه نظيفة..!

فقراء العراق، هم الغالبية العظمى، وفي أغلب المحافظات ثمة مساحات شاسعة مبنية من الأكواخ القصبية والصرائف، وغالبا ما تتأسس تلك الصرائف على ضفاف برك مائية آسنة، فهم يعيشون في أكواخ لا تصلها إسالة الماء وحنفيات الماء، فتلجأ الآلاف من العائلات إلى الحنفيات العامة لكي يملؤون الدوارق وينقلونها من مسافات بعيدة إلى بيوتهم ويزدحمون عند مواقع الحنفيات، وكذلك فإن تلك المساكن الفقيرة لا تتوفر فيها المجاري، فأنشأ لهم البريطانيون “مرحاضين” من الصفيح على ضفة المياه الآسنة، تبعد بين كل أثنين مسافة قرابة الف متر، رسمت على واجهة الأول صورة رجل بدون تفاصيل الوجه وعلى رأسه الغترة والعقال، بدون كلمة “للرجال” وآخر صورة امرأة محجبة بدون كلمة للنساء، لأن أهل الصرائف وفي اغلبهم لا يعرفون القراءة والكتابة. فيزدحم الناس قبل الفطور أو بعد الفطور وقبل التوجه إلى أعمالهم وهم يتعذبون وقوفا لانتظار دورهم في قضاء الحاجة وتتكرر الحالة ليلا في الظلام..!

عندما جاءت ثورة الرابع عشر من تموز، وتم طرد القوات البريطانية من العراق، سارع أول ما سارع الرجل الوطني النظيف “عبد الكريم قاسم” إلى بناء البيوت التي تليق بالإنسان وإلغاء الصرائف وتجفيف وتنظيف المياه الآسنة، ففي بغداد وبعد أن أنجز مساكن لكل مواطني “ما وراء السدة” أطلق على المدينة “مدينة الثورة” ولم يسميها مدينة الزعيم، ولكن كلما جاءت فئة أبدلت اسم المدينة باسم آخر.. وحين جاء المسخ التافه صدام حسين، أطلق على اسم المدينة “مدينة صدام”..! 

كانت هناك معارضة عراقية تعمل لإزالة نظام الدكتاتور.. ومن بينها كانت حركة الملكية الدستورية التي يترأسها الراحل “الشريف علي بن الحسين” وكان على علاقة بالأمير البريطاني تشارلز وكذلك بالنائبة البريطانية “أيما نيكلسون” وكانا كلاهما مسؤولين عن ملف الأهوار في العراق..!

ذات يوم اتصل بي “الشريف علي بن الحسين” وأخبرني أنه سيطبع برنامجه السياسي المسمى “الملكية الدستورية” ورجاني أن أصحح له البرنامج من الناحية اللغوية والقواعدية. فقلت له لا أمانع، ولكن عندي طلب، وكان يظن أني أطب المال مقابل الجهد، فسألني عن المبلغ، أبلغته بأنني لست بصدد المطالبة بمبلغ من المال ولكن عندي رسالة أريد إيصالها إلى الأمير “تشارلز والنائبة أيما نيكلسون”.. قال أنا أوصلها اليهما، لأنهما بحكم الملكية على اتصال دائم معي.. كتبت الرسالة بنسختين، الأولى للأمير والثانية للنائبة.. وشرحت لهما قصة المرحاضين اللذين أهدتهما لنا بريطانيا خلال فترة استعمارها للعراق.. وأنهيت الرسالة بجملة تقول “لقد جئتم بصدام حسين للعراق، وقبله زودتمونا بمرحاضين، فالرجاء استعادة صدام حسين، وإعادة المرحاضين لنا، بدلا عن الرئيس العراقي”.. وعلمت أنهما قد تسلما الرسالة.. فشكرت الراحل الشريف علي بن الحسين، على إيصاله الرسالة”..!