التسوية الجنائية
تُمثل التسوية الجنائية او التصالح الجنائي مساراً تحولياً في الفلسفة الجنائية حيث تُعرف بانها الية قانونية بديلة او بالتوازي مع النمطية الجنائية التقليدية القائمة على فكرة العقاب، حيث يتم من خلالها معالجة اثار الجريمة وانهاء النزاع او العمل على تخفيف اثاره بشكل كلي او جزئي من خلال اتفاق أو إجراء توفيقي يقوم على الاعتراف بالمسؤولية او جبر الضرر والتعويض او رد الحقوق والالتزام بتدبير إصلاحي وفقا للضوابط التي يحددها القانون وتتولاها السلطة القضائية، وتكون التسوية الجنائية على ثلاث مسارات وهي : التسوية الجناية بالمفهوم الضيق وتؤدي الى انهاء الدعوى او تجنب المحاكمة او تخفيف العقوبة. والوساطة الجنائية والتي تعني تقريب وجهات النظر بين الجاني والمجنى عليه من خلال وبمساعدة طرف محايد للوصول الى معالجة الضرر، والعدالة التصالحية وهي المسار الاوسع الذي يركز على اصلاح او جبر الضرر وإعادة الاعتبار الى المجنى عليه وتحمل الجاني المسؤولية وهو الأساس في تحقيق الاندماج الاجتماعي كمرحلة لاحقة لارتكاب الجريمة هدفها إعادة الحال بالشكل الذي يؤدي الى معالجة الاوضاع التي نتجت عن الجريمة وبواسطة طرف محايد.
والحقيقة ان التسوية الجنائية كإجراء تصالحي جنائي توفيقي ليست نتاج الفلسفات والرؤى والأفكار الحديثة انما متجذرة بالقدم ترتبط بالمنظومة الفكرية والعقائدية والاجتماعية للمجتمعات القديمة وان تجلببت برداء الراهن ومعطيات الحداثة الجديدة، والتاريخ والارث الإسلامي والعربي والتراث الشرق اوسطي حافل بالتجارب التصالحية ذات الطابع الجنائي، وقد تبلورت التسوية الجنائية الحديثة بشكل اكثر حضورا ووضوحا نتيجة لعوامل عديدة منها تضخم في اعداد القضايا التي تنظرها المحاكم الجزائية وارتفاع تكاليف الإجراءات الجنائية ومحدودية التأثير الردعي بالنسبة للعقوبات التقليدية في اصلاح الضرر مع تنامي الفلسفة الجنائية التي تؤمن بالتأهيل والإصلاح والبحث عن بدائل للحبس والعقوبات الاحتجازية.
وقد مرت التسوية في التشريعات المقارنة باتجاهات متعددة منح كل قانون تصنيفا لتجربته التشريعية ابتدأت بالنموذج التفاوضي القائم على الإقرار بالذنب وهذا النموذج وجد حضوره في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يمكن للمتهم والادعاء التوصل الى اتفاق يتعلق بالاعتراف بالتهمة بمقابل تنازل الادعاء عن بعض التهم او طلب عقوبة اخف، وقد تلقفتها بعض التشريعات وبخاصة الألمانية الخارجة من التجربة النازية لترسم اتجاها فلسفيا قائم على إيجاد قطيعة مع الماضي بكل ما يحمل من مآسٍ والايمان بالحاضر والراهن والذي يتأتى من خلال بيئة جديدة خالية من ربقة الآم واحزان الماضي وتعتمد الوساطة بين الجاني والمجنى عليه والتعويض والاتفاقات الإجرائية.
اما فرنسا فقد اعتمدت مبدأ الوساطة الجنائية قبل المحاكمة مع التأكيد على البدائل، اما التسوية الجنائية الإيطالية فقد عززت حضورها التصالحي بجملة من الإصلاحات عام 2022 عرفت بإصلاحات كارتابيا، في حين تناولها السويديون من خلال قانون الوساطة في المسائل الجنائية الخاصة بالأحداث، وبينما أخذت غالبية القوانين الحديثة التسوية والتصالح الجنائي كنظام قانوني يتماها مع الفلسفة الراهنة التي ابتعدت عن الصورة العقابية الوحيدة في تحقيق العدالة الى العدالة الجبرية والتأهيلية في فضاءات بيئة تصالحية، ما زال القانون العراقي يعتمد صور الصلح التقليدي دون استيعاب لنظام التسوية بشكل قانوني شامل والذي تناوله قانون أصول المحاكمات الجزائية العراقي رقم 23 لسنة 1971 المعدل في المواد (194 – 198 ) فالمادة 194 تقرر قبول الصلح في الدعاوى التي يتوقف تحريكها على شكوى المشتكي وهناك بعض القوانين حملت صورا للتسوية او المصالحة الجنائية مثالها ما تضمنه قانون الكمارك العراقي الذي أجاز تسوية صلحية في الجرائم الكمركية.
وقد سجل الفقه والقضاء العراقي تحفظاً شديداً على التسويات في الجرائم الجسيمة وقضايا الفساد المالي والإداري لعدم وجود أساس قانوني يبيح إعفاء الفاسدين مقابل رد الأموال.
ورغم ذلك، تُطالب جهات قانونية حديثة المشرّع بضرورة تقنين "التسوية الجنائية" بنصوص صريحة في الجرائم البسيطة لتخفيف الزخم عن المحاكم وايرادها كصور مهمة من قانون استرداد عائدات الفساد فيما يتعلق باسترداد عائدات الفساد بالمقابل واعتبار التسليم الطوعي للمبالغ المتحصلة من الفساد وعائداته ظروف مخففة تقتضي اتخاذ تدابير بمقتضاها غايتها تعضيد موارد الدولة وانسجاما مع المواجهة الجنائية الحازمة في الإيقاع بشبكات الفساد التي عاثت بموارد الدولة وارزاق الناس فسادا ووزعتها بشكل سافر على شكل حسابات مصرفية وعقارات منتشرة في الدول الإقليمية والعربية والغربية، وهناك عقبات كبيرة في استردادها دون تعاون الجاني وهو الامر الذي يجعل موضوع التسوية مهماً جدا للعراق على المستوى التشريعي من خلال اعتماد نظام قانوني للتسوية الجنائية وتحديد الجرائم التي يجوز فيها التصالح الجنائي من عدمه وإبراز دور للادعاء العام الى جانب القضاء مع تحقيق ضمانات قانونية للمتهم بحيث يكون نظاما قانونيا جديدا يجمع بين العقوبات وبدائلها والاندماج الاجتماعي للجاني وجبر الضرر وتعويض الضحايا والتعويل على مراحل قادمة قادرة على بناء الإنسان وتأهيله وإعادته فردا منتجاً من خلال ثقافة الاعتراف والاعتذار والدعوة الى إحلال الوئام محل الخصام ويكون للضحايا الدور الأبرز فيها بمساعدة منظومات قيمية ومعرفية وعقائدية يضج بها المجتمع العراقي.