حَدِيثُ الجُمُعَةِ.. الأَصلُ في السُّلوكِ هو الوازِعُ الذَّاتي

مقالات 12 September 2026
بقلم: نزار حيدر

{لَوْلَا أَن رَّأَىٰ بُرْهَانَ رَبِّهِ ۚ}.

  الذي لا يعتدِي على أَعراض النَّاس ولا يتجاوز على المالِ العامِّ ولا يهتِك الحرُمات ولا ينتهِك الحقُوق ولا يخُوض بالدِّماء هو ذلكَ الذي يمنعهُ وازعٌ أَو أَكثر ممَّا يلي:

  *أَن يكونَ لهُ وازعٌ دينيٌّ.

  *أَو أَن يكونَ لهُ وازعٌ من تربيةٍ وأَخلاقٍ.

  *أَو أَن يكونَ وازعهُ القانُون والخَوف من العقوبةِ.

  *أَو أَن يكونَ وازعهُ العلم والثَّقافة والمعرِفة.

  *أَو أَن يكونَ وازِعهُ الخَوف على سُمعتهِ أَو سُمعةِ خلفيَّتهِ الإِجتماعيَّةِ.

  أَمَّا إِذا كانَ خالي الوِفاض من كُلِّ هذهِ فلا تتوقَّع منهُ خَيراً كأَن يكُونَ حريصاً على المال العامِّ مثلاً أَو أَن يحمي الحرُمات أَو حتَّى أَنَّهُ يتعامَل مع الأَمرِ بروحِ المسؤُوليَّةِ، أَبداً.

  والوازِعُ، عادةً، لا يتجلَّى في المرءِ عندما لا يمتلِك شيئاً فالوازِعُ من سرقةِ المال العامِّ لا يظهر عندما يكونُ فقيراً أَو ليسَ تحتَ يدهِ مالاً عامّاً بالأَساسِ، لأَنَّ [نزاهتهِ] في هذهِ الحالةِ تحصيلُ حاصلٍ أَو كما يقولُ المناطقةُ [سالبةٌ بانتفاءِ المَوضوعِ] وإِنَّما يظهرُ الوازعُ ونشهدُ على نزاهتهِ عندما يكونُ تحتَ تصرُّفهِ مالاً عامّاً فيحرص عليهِ كحرصهِ على روحهِ أَو دمهِ أَو عرضهِ.

  ولذلكَ نُلاحظ أَنَّ الكثيرَ من النَّاسِ يتصرَّفونَ بنزاهةٍ عندما يكونونَ خارج السُّلطة والحُكم ولكنَّهم ينغمسُونَ بالفسادِ بمجرَّدِ أَن يُؤتَمنُونَ على المالِ العامِّ.

  ماذا يعني هذا؟!.

  *الوازعُ عاملٌ مُساعدٌ فهو ليسَ الأَصل في منعِ الإِنسانِ من الفسادِ واللصوصيَّةِ مثلاً، إِنَّما الأَصلُ هو النَّفس الإِنسانيِّة وذاتِ الإِنسانِ، فإِذا كانت النَّفسُ دنيئةً أَو شرِّيرةً أَو غَير مُستقرَّة فلا ينفع أَيَّ وازعٍ كانَ ولذلكَ تراهُ يعودُ إِلى أَصلهِ وإِلى ذاتهِ بمجرَّد أَن يغيبَ الوازعُ أَو يغيبَ عن واقعهِ.

  يقولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) {واعلمُوا أَنَّهُ مَن لَم يُعِن على نفْسهِ حتَّى يكونُ لهُ مِنها واعِظٌ وزاجِرٌ لمْ يكُن لهُ مِن غيرِها لا زاجِرٌ ولا واعِظٌ} أَمَّا الامامُ عليِّ بن مُوسى الرِّضا (ع) فيقولُ {مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَاعِظٌ تَمَكَّنَ مِنْهُ عَدُوُّهُ} يعني الشَّيْطَانَ‏.

  فالزَّاجرُ والواعِظُ الحقيقيُّ هو الذَّاتي فحسْب ودونهُ عواملَ مُساعِدة!. 

  فالنَّزيهُ في زمنِ [المُعارضةِ] الذي يمنعهُ وازعٌ من نوعٍ ما إِذا تحوَّلَ إِلى لصٍّ مُحترفٍ يأكل حقُوق النَّاس بلا رحمةٍ عندما يتمكَّن من السُّلطةِ، أَيَّةِ سُلطةٍ، فهذا يعني أَنَّ [نزاهتهُ] كانت بالقوَّة وليست بالفًعلِ، أَي أَنَّهُ كانَ نزيها لأَنَّهُ لا يمتلِك سُلطةً على المالِ العامِّ أَو على دماءِ النَّاسِ وأَعراضهِم، فكانَ الوازعُ طِلاءً ليسَ أَكثر لم يتجذَّر في ذاتهِ الإِنسانيَّةِ لتخلُقَ منهُ إِنساناً عِصاميّاً ولذلكَ ترى نفسهُ السَّبُعيَّةَ تُكشِّرُ عن أَنيابِها وتتغلَّب على ذاتهِ الإِنسانيَّة في اللَّحظة التي يمتلِك فيها شكلاً من السُّلطةِ.

  كتبَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) لعامِلٍ خانهُ بعدَ أَمانةٍ ووثُوقٍ {فَلَمَّا أَمْكَنَتْكَ الشِّدَّةُ فِي خِيَانَةِ الأُمَّةِ أَسْرَعْتَ الْكَرَّةَ وعَاجَلْتَ الْوَثْبَةَ واخْتَطَفْتَ مَا قَدَرْتَ عَلَيْه مِنْ أَمْوَالِهِمُ الْمَصُونَةِ لأَرَامِلِهِمْ وأَيْتَامِهِمُ اخْتِطَافَ الذِّئْبِ الأَزَلِّ دَامِيَةَ الْمِعْزَى الْكَسِيرَةَ}.

  نحنُ نريدُ نزاهةً غَير مُصطنعةً ونريدُ المرءُ نزيهاً عندما يمتلكُ سلطةً وليسَ عندما لا يمتلكُ شيئاً منها فنزاهتهُ في هذهِ الحالةِ لا تُؤتمَنُ فهي غَير حقيقيَّة ولذلكَ قيلَ [عندَ الإِمتحان يُكرَمُ المرءُ أَو يُهانُ].

  ولقد شرحَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) ذلكَ [النَّزاهةُ بالقوَّةِ والنَّزاهةُ بالفعلِ] في النصِّ الرَّائع التَّالي؛

  {ولَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ ولُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ ونَسَائِجِ هَذَا الْقَزِّ}.

  فهوَ، إِذن، قادرٌ على حياةِ الرفاهيَّةِ والبطرِ والتميُّزِ الطَّبقي والإِستثناءِ والإِستعلاءِ لأَنَّهُ يمتلكُ أَدوات ووَسائل كُلَّ ذلكَ، فلماذا، إِذن، لم يفعَلها؟! لماذا عاشَ حياةً أُخرى مع أَنَّهُ يمتلكُ كُلَّ شيءٍ وهوَ الحاكِم التي تحتَ سُلطتهِ [٥٠] دولةً حسبَ المفاهِيم السياسيَّة والجُغرافيَّة المُعاصِرة؟!.

  الجواب {ولَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ ويَقُودَنِي جَشَعِي إِلَى تَخَيُّرِ الأَطْعِمَةِ}.

  وهذا هوَ الفرقُ العظيمُ بينَ أَن تكونَ حاكماً نزيهاً عفيفاً وأَنت تمتلكُ كُلَّ شيءٍ، وبينَ أَن تكونَ امرِءاً نزيهاً وعفيفاً وأَنت لا تمتلِك شيئاً.

  في الحالةِ الأُولى أَنت في إِمتحانٍ واختبارٍ فكيفَ ستتصرَّف بما هو تحتَ يدكَ من مالٍ عامٍّ وعِرض وخيراتِ البلادِ؟! أَمَّا في الحالةِ الثَّانيةِ فأَنتَ لستَ في اختبارٍ أَو إِمتحانٍ لأَنَّك بالأَساسِ لا تحيطُكَ أَسباب الإِمتحان كالمالِ والجاهِ والسُّلطةِ والجنسِ وغيرِ ذلكَ.

  لقد أَشارَ الإِمامُ (ع) إِلى إِثنَينِ من أَخطرِ أَسبابِ اللصوصيَّةِ والبطرِ والشرِّ والتعدِّي على الحقِّ العامِّ وتجاوزِ أَخلاقيَّاتِ سُلطةِ العدلِ، أَلا وهُما؛ الهوى والجشَع، فالهَوى يُعمي البصَر والبَصيرة فلم يعُد الحاكِم يرى الطَّبقة الضَّعيفة في المُجتمع، أَمَّا الجشع فيقودُ الحاكِم إِلى احتكارِ كُلِّ شيءٍ لنفسهِ ولعصابتهِ، ولذلكَ قالَ (ع) {ولَعَلَّ بِالْحِجَازِ أَوْ الْيَمَامَةِ مَنْ لَا طَمَعَ لَهُ فِي الْقُرْصِ ولَا عَهْدَ لَه بِالشِّبَعِ أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وأَكْبَادٌ حَرَّى أَوْ أَكُونَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ؛

وحَسْبُكَ دَاءً أَنْ تَبِيتَ بِبِطْنَةٍ * وحَوْلَكَ أَكْبَادٌ تَحِنُّ إِلَى الْقِدِّ!

  ويضيفُ (ع) {أَأَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ولَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِه الدَّهْرِ أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ! فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا وتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا أَوْ أُتْرَكَ سُدًى أَوْ أُهْمَلَ عَابِثاً أَوْ أَجُرَّ حَبْلَ الضَّلَالَةِ أَوْ أَعْتَسِفَ طَرِيقَ الْمَتَاهَةِ!}.

  فإِذا رأَيتَ حاكماً إِكتفى بعنوانِ السُّلطةِ يتمتَّعُ بها من دونِ إِنجازاتٍ ملموسةٍ تخدِمُ المُجتمعِ أَو أَنَّهُ ركبَ عنوانَها ليسرِقَ ويقتلَ ويعتدي على الحقُوقِ ويتجاوز على الأَعراضِ فتأَكَّد بأَنَّهُ بهيمةٌ مربوطةٌ بحبلِ السُّلطةِ!.

  لإِقامةِ سُلطةِ الحقِّ نحنُ بحاجةٍ إِلى مسؤُولٍ يتمتَّع بالنَّزاهةِ الذَّاتيَّةِ [بالفعل] وليسَ بالقوَّةِ التي تختفي إِذا ما اختفَت عنها الأَسباب والعوامِل التي تخلقَها في نفسهِ.

  إِذا تحقَّقَ ذلكَ فستتحقَّق مُعادلة الحُكم الرَّشيد الذي ذكرَ أَعمدتهُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) بقولهِ {وقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّه لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْوَالِي عَلَى الْفُرُوجِ والدِّمَاءِ والْمَغَانِمِ والأَحْكَامِ وإِمَامَةِ الْمُسْلِمِينَ الْبَخِيلُ فَتَكُونَ فِي أَمْوَالِهِمْ نَهْمَتُهُ ولَا الْجَاهِلُ فَيُضِلَّهُمْ بِجَهْلِهِ ولَا الْجَافِي فَيَقْطَعَهُمْ بِجَفَائِهِ ولَا الْحَائِفُ لِلدُّوَلِ فَيَتَّخِذَ قَوْماً دُونَ قَوْمٍ ولَا الْمُرْتَشِي فِي الْحُكْمِ فَيَذْهَبَ بِالْحُقُوقِ ويَقِفَ بِهَا دُونَ الْمَقَاطِعِ ولَا الْمُعَطِّلُ لِلسُّنَّةِ فَيُهْلِكَ الأُمَّةَ}.