بين ضبط التصريحات وصناعة الصمت

مقالات 20 September 2026
بقلم: عاصم جهاد

تسرّب إلى وسائل الإعلام حديثٌ عن صدور تعميم يقضي بعدم ظهور بعض المستشارين والمسؤولين في وسائل الإعلام أو الإدلاء بتصريحات إلا بعد الحصول على موافقة رئاسة الحكومة، تحت عنوان "توحيد الخطاب الإعلامي الحكومي".

ولا شك أن المرحلة الأخيرة شهدت قدراً واضحاً من الفوضى في بعض التصريحات الرسمية؛ أرقاماً متضاربة أو عشوائية، واجتهادات وتحليلات شخصية تُقدَّم أحياناً وكأنها موقف حكومي، وتصريحات غير محسوبة أسهم بعضها في إرباك الرأي العام بدلاً من توضيح الصورة.

ولم تكن المشكلة في كثرة التصريحات وحدها، بل في مضمون بعضها أيضاً؛ حين تتحول المنصة الإعلامية من وسيلة لشرح المشكلة والبحث عن معالجات حقيقية، إلى محاولة لتجميل العجز، أو تحويل الإخفاق إلى إنجاز، أو إطلاق وعود وأرقام كبيرة لا تستند إلى توقيتات واضحة أو إمكانات واقعية.

ومن هنا، فإن الحاجة إلى تنظيم الخطاب الحكومي وتنسيقه تبدو مفهومة، وربما ضرورية، لكن الأسئلة الأهم تبدأ من هنا: من الذي يوحّد هذا الخطاب؟ وما الآليات المعتمدة؟ وما هي الرسالة الحكومية التي يراد توحيدها أصلاً؟

هل توجد جهة مركزية تعدّ الرسائل والمواقف بشأن القضايا الأساسية، وتزوّد الوزارات والمسؤولين بالمعلومات والأرقام والخطوط العامة للإجابة؟ أم أن عملية التوحيد ستقتصر على اشتراط الموافقة قبل الظهور الإعلامي؟

ثم ما المدة الزمنية اللازمة للحصول على هذه الموافقة؟ فالعمل الإعلامي مرتبط بسرعة الحدث، وقد تبرز أزمة أو قضية تتطلب توضيحاً خلال دقائق أو ساعات، لا بعد أن ينتهي الحدث ويفقد التوضيح قيمته.

وعندما تقع أزمة اقتصادية أو خدمية أو أمنية تستحوذ على اهتمام الرأي العام، من يرسم خارطة الطريق الإعلامية؟ ومن يحدد المعلومات التي ينبغي إعلانها؟ ومن يضع الإجابة التي تنسجم مع الموقف الحكومي من دون أن تتحول إلى مجرد تبرير للمشكلة؟

وهنا يبرز سؤال آخر: هل سيمنع هذا التعميم بعض المسؤولين من الهروب إلى المستقبل كلما عجزوا عن معالجة أزمات الحاضر؟

فليس من المنطقي أن يواجه المسؤول مشكلة قائمة اليوم، ثم يستعيض عن الإجابة عنها بالحديث عن إنجازات ومشاريع وأرقام يفترض أن تتحقق بعد خمس أو عشر سنوات.

توحيد الخطاب لا يعني فقط ضبط من يتحدث، بل أيضاً ضبط ما يُقال؛ فلا تتحول الوعود المستقبلية إلى غطاء للعجز الراهن، ولا تصبح الأرقام الكبيرة وسيلة لصرف الأنظار عن السؤال الأبسط والأهم: ماذا تحقق الآن؟ وكيف ستتم معالجة المشكلة القائمة اليوم؟

وربما من أخطر ما عانيناه في بعض المراحل، أن يتولى موقعاً متقدماً من لا يمتلك الكفاءة أو الخبرة التي تتناسب مع حجم المسؤولية، ثم تتحول الأولوية من إدارة المؤسسة وإنجاز ملفاتها إلى صناعة صورة إعلامية للمسؤول نفسه.

فتبدأ الضغوط على الدوائر الإعلامية، وتتحرك الحاشية لتقديمه بوصفه صاحب الإنجاز، حتى في مشاريع بدأت قبله أو أنجزت بتراكم جهود إدارات وفرق سابقة، فيجري اختزال العمل المؤسسي بشخص واحد، ومصادرة جهود الآخرين، وإعادة صياغة قصة الإنجاز بما يخدم الصورة الإعلامية للمسؤول.

والمفارقة أن بعض من تُنسب إليهم الإنجازات إعلامياً قد يكونون، في مراحل سابقة، جزءاً من تعطيل بعض المشاريع أو تأخيرها، أو من منظومة إدارية أسهمت في إضعاف المؤسسة واستنزافها.

ولهذا فإن توحيد الخطاب الإعلامي لا ينبغي أن يكون مجرد ضبط للتصريحات، بل يجب أن يمنع أيضاً تحويل إعلام الدولة إلى أداة للترويج الشخصي، أو صناعة البطولات، أو نسب الإنجازات إلى من لم يصنعها.

فالإعلام الحكومي يفترض أن يروّج لإنجاز الدولة والمؤسسة، لا لإنجاز الأشخاص، وأن يحفظ ذاكرة العمل المؤسسي ويعطي كل جهد حقه، بدلاً من أن يصبح وسيلة لإعادة تدوير الإخفاق في صورة نجاح.

وفي المقابل، قد تجد بعض المؤسسات والمسؤولين في مثل هذا التعميم ذريعة مريحة للابتعاد عن وسائل الإعلام والامتناع عن الإجابة عن الأسئلة، تحت عنوان أن «الحكومة تمنع التصريحات» أو أن الموافقة لم تصدر بعد.

وهنا قد ننتقل، من حيث لا نريد، من توحيد الرسالة الإعلامية إلى إضعافها، ومن تنظيم التواصل مع الجمهور إلى تقليصه.

فالرسالة الحكومية الموحّدة لا تعني الصمت، ولا غياب المسؤول عن الإعلام، ولا صناعة خطاب واحد يكرر نفسه؛ بل تعني معلومة دقيقة، ورسالة واضحة، وأرقاماً موثوقة، ومسؤولاً يعرف حدود ما يقول، ومنظومة سريعة قادرة على التعامل مع الحدث في وقته.

لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: من يُسمح له بالتصريح؟

بل: من يصنع الرسالة الحكومية؟ ومن يحدّثها؟ ومن يدقق أرقامها ومعلوماتها؟ وكيف تصل إلى المسؤولين؟ وكيف تضمن الحكومة أن يكون خطابها موحداً ودقيقاً وشفافاً، من دون أن يتحول «توحيد الخطاب» إلى بوابة للصمت، أو الترويج الشخصي، أو تبرير الإخفاق، أو الهروب من أزمات الحاضر إلى وعود المستقبل؟

الوسوم: عاصم جهاد