الطقوس العاشورائية هوية الحزن الحسيني في كربلاء (تقرير)
مع حلول أول أيام محرم الحرام بدلت كربلاء ثوبها الطبيعي واتشحت بحلة سوداء دلالة على الحزن العميق الذي انغرس بالقلوب منذ أكثر من ألف وأربعمائة عام عندما أقدمت الطغمة الأموية الفاسدة على اقتراف جريمة العصر جريمة قتل سيد شباب أهل الجنة الإمام الحسين (ع) مع ثلة من أهل بيته وأصحابه الكرام في معركة الطف الشهيرة التي حدثت عام 61 للهجرة عندما اختار طريق الجهاد في وجه الظلم والفساد والانحلال الأموي الذي كان يقوده يزيد وأتباعه وسعى جاهدا إلى الانحراف بالمبادئ المحمدية السامية عن طريقها القويم والتي ثبتها نبينا العظيم محمد (ص).
وكربلاء تعودت منذ قرون طويلة وقد يكون من السنة الأولى لاستشهاد الحسين (ع) على الاتشاح بثوب اسود من خلال قيام الأهالي بتحويل الأزقة والشوارع والبيوت والمساجد والحسينيات إلى قطعة سوداء وذلك عن طريق تغطيتها بقطع من القماش الأسود والذي يتميز بكتابة الشعارات والأشعار التي تمجد مبادئ الحسين وقضيته الإنسانية والتي تؤكد الحزن السمردي الذي بدأ مع مقتله سنة 61 للهجرة في معركة الطف الشهيرة ولن ينتهي حتى قيام الساعة عندما واجه بكل شجاعة ذلك الطغيان والجبروت واختار الموت المكلل بالغار والعز والخلود رافضا الحياة مع الظالمين مع كل المغريات التي قدمت له.
ولعل أول هذه المراسيم هو تبديل الرايتين الحمراوتين اللتان تعلوان القبتين الشريفتين لمرقد الإمام الحسين وأخيه العباس برايتين سوداوتين بعد صلاة العشاءين في اخر ليلة من شهر ذي الحجة من كل عام ايذانا ببدء الحداد الذي يستمر حتى نهاية شهر صفر
والتي ترمز للحزن والمصاب إيذانا ببدء شهر الحزن والأسى على سيد الشهداء وأصحابه النجباء
وان الهدف من إقامة هذه المراسيم لإشعار الناس بأهمية هذا الشهر وضرورة استقباله وسط أجواء يشوبها استذكار أحزان أهل البيت عليهم السلام، بالإضافة إلى عكس الصورة المشرقة للعالم اجمع بأننا متمسكون بحب أهل البيت عليهم السلام وإحياء أمرهم رغم كل الظروف
وكما ان جميع أهالي كربلاء يرفعون مع بداية شهر محرم الحرام الرايات السوداء فوق المنازل وعلى الطرقات المؤدية إلى كربلاء إعلانا على الحزن والألم الذي انغرس في قلوب المؤمنين نتيجة للجريمة النكراء التي اقترفها آل أمية وأعوانهم بحق آل محمد صلوات الله عليهم أجمعين.
واهم الطقوس التي تمارس في محرم الحرام هي نصب مئات التكايا في مختلف مناطق كربلاء وخاصة في مركز المدينة والتي هي عبارة عن غرفة رباعية الأضلاع تؤطر بالمرايا والتحفيات والمصابيح بشكل بديع وجميل إضافة إلى اللافتات التي تحمل الشعارات والأشعار التي تستحضر مبادئ الحسين وبطولته في معركة الطف إضافة إلى ذلك فان هذه التكايا تعرض دمى ورسومات لأشخاص الطف كالرضيع ومهده والسبايا والشهداء من بني هاشم وغالبا ماتحمل هذه التكايا والتي أسست منذ عشرات السنين من قبل حرفيين أو عشائر أو من قبل سكان مناطق كربلاء أسماء معينة كان تحمل أسماء أهل البيت أو اسماء مؤسسيها كقمر بني هاشم أو زينب الكبرى أو الحدادين والصفارين أو النعلجية.
وتبدأ هذه التكايا والمواكب مع أول أيام عاشوراء بتقديم الطعام والشراب لجميع الزائرين إلى كربلاء ولعل أشهر مايقدم من أطعمة هي |(التمن والقيمة) والقيمة هي عبارة عن حمص مهروس ولحم يضاف له البصل والنومي بصرة مع البهارات الخاصة بها ذات النكهة المميزة وكذلك (الزردة) وهو عبارة عن رز وسكر غالبا ماتكون صفراء اللون يضاف له اللوز وتوضع في أواني ويرش عليه (الدارسين) و(لب غراش).
أما الطقوس الحسينية التي تقام في شهر محرم الحرام فهي عديدة ولعل أشهرها مواكب العزاء(اللطم) التي تبدأ من اليوم الأول لشهر محرم الحرام وتستمر حتى العاشر منه ويتكون العزاء من مجموعات تردد أهازيج وشعارات على شكل أشعار تتغنى بأبطال الطف وتمجد تضحياتهم إضافة إلى الأشعار والأهازيج التي تتناول الأوضاع السائدة سواء كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية وغالبا مايحمل العزاء أسماء المناطق والحارات التي تنطلق منها ولعل أشهرها عزاء العباسية وطويريج الذي ينطلق في العاشر من محرم الحرام بدءا من قنطرة السلام ويشارك فيه الملايين من مختلف المدن العراقية ودول العالم.
أما مواكب ضرب(الزنجيل) والذي يكون على شكل خطوط متناسقة ويشارك فيه الصغار والكبار ويتم ضرب الأجساد بقطع حديدية لها مقابض خشبية يطلق عليه (الزنجيل) ويتم ذلك على أنغام الطبول والأبواق وما يمز المشاركين بهذه المواكب الحسينية هو ارتداء الملابس السوداء مثل (الدشاديش) او السراويل والقمصان.
كما تقام مجالس العزاء في كل أنحاء كربلاء وخاصة الروضة الحسينية والعباسية إذ يفد عليها أشهر قراء ورواديد المنبر الحسيني الذين اشتهرت بها كربلاء كالسيد جاسم الطويرجاوي وعبد الحميد المهاجر وباسم الكربلائي ومله جليل الكربلائي مثلما أنجبت من قبل الرادود عبد الزهرة الكعبي وحمزة الزغير.
إن إقامة طقوس عاشوراء من ارتداء والتوشح بالسواد وإقامة مراسيم العزاء وتقديم الطعام والشراب والإيواء مجانا لملايين الزائرين والوافدين من جميع دول العالم الإسلامي كالهند وباكستان وأفغانستان وايران وسوريا ولبنان ودول الخليج العربي هو تجسيد حي على حب الحسين (ع) المغروس في القلوب والذي سيبقى متوهجا في قلوب الأجيال القادمة حتى قيام الساعة...فسلام على الحسين يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا...
كربلاء / باهر غالي
وكالة نون خاص