RSS
2026-02-24 20:09:16

ابحث في الموقع

الدبلوماسية العراقية في ظلال البعث.. قراءة في تجربة الحكم البعثي (الجزء الثاني)

الدبلوماسية العراقية في ظلال البعث.. قراءة في تجربة الحكم البعثي (الجزء الثاني)
بقلم: حسن الجنابي

التحول الذي أصاب الدبلوماسية العراقية في عهد البعث كان امتداداً منطقياً لبنية حكم قامت على تسييس الدولة وعسكرة السياسة ولم يكن عرضياً أو اجتهادات فردية. فكما أُخضعت المؤسسات الداخلية لمنطق الولاء الحزبي والأمني، جرى إخضاع السياسة الخارجية بوصفها أداة إضافية في منظومة السيطرة الشاملة على المجتمع وليس باعتبارها مجالاً لإدارة المصالح الوطنية مع الخارج.

كانت وزارة الخارجية قبل ترسّخ الحكم البعثي تضمّ عدداً من الكوادر المهنية التي تلقت تدريبها وفق المعايير الكلاسيكية الرصينة للعمل الدبلوماسي. وقد جرى الاحتفاظ بعدد معقول من السفراء والدبلوماسيين في السنوات الأولى لحكم البعث، ومع تصاعد نفوذ البعث وسطوته واستقواء الأجهزة الأمنية والمخابرات بدأ ذلك التقليد يتآكل تدريجياً. وجرى «تبعيث» الوزارة وفق معيارين: الانتماء الحزبي والقابلية للانضباط والطاعة. وتورد السيدة راقية رؤوف الجلبي قائمة بـ 231 سفيراً جرى تعيينهم بين 1968 و1994 بلغت نسبة البعثيين منهم 80‌%.

أُقصي في تلك الفترة وما تلاها العديد من الدبلوماسيين ذوي الخبرة أو جرى تهميشهم، واستُبدلوا بعناصر تفتقر إلى التأهيل المهني لكنها تحظى بثقة القيادة السياسية. ومع الوقت، لم يعد السفير ممثلاً للدولة بقدر ما أصبح موظفاً سياسياً، محكوماً بسقف ضيق من الحركة، ومعنياً بنقل خطاب رسمي لا يقبل الاجتهاد. وتقيدت حركة السفير ووصلت الى حد أن يرسل سائق السفير من العراق الى الدولة المضيّفة، وهو يجهل اللغة ولا يعرف العواصم، وواضح بأن مهمته هي التجسس على حركة السفير وعلاقاته (اقرأ مذكرات السفير وهبي القرغولي بعنوان أربعون عاماً في السلك الدبلوماسي العراقي).

ترافق ذلك مع اختزال شبه كامل لعملية صنع القرار الخارجي. فوزارة الخارجية، حتى في عهد طارق عزيز المقرب كثيراً من صدام لم تكن شريكاً في صياغة السياسة، بل منفّذاً لتوجيهات تصدر من أعلى هرم السلطة. وبغياب المؤسسية في إدارة الدولة، تحوّلت السياسة الخارجية إلى سلسلة من ردود الفعل والانفعالات، أكثر منها نتاج حسابات استراتيجية طويلة الأمد. وقد انتشرت في وسائل التواصل مؤخراً وثائق بخط اليد وبتوقيع صدام حسين عن قضايا سياسية كبرى واضح منها أنه كان يتخذ تلك القرارات منفرداً دون استشارة أحد.

هذا الاختزال ألغى عملياً وظيفة الدبلوماسي بوصفه ناقلاً للمعلومة ومقيّماً للمخاطر. فالتقارير التي لا تنسجم مع المزاج السياسي كانت تُهمل أو تُفسَّر باعتبارها ضعفاً في "الروح الوطنية"، وهو ما شجّع على إنتاج تقارير تعكس ما ترغب «القيادة» في سماعه، لا ما يجري فعلاً في العواصم المؤثرة.

وقد تكون تجربة السفير نزار حمدون منفردة كما يتضح من مذكراته التي نشرت مؤخراً، إذ كان أكثر جرأة في التعبير عن رأيه والتنبيه الى مخاطر بعض السياسات بما في ذلك الحرب مع إيران، أو التصعيد ضد الولايات المتحدة أو المسألة الطائفية في العراق. وينطبق الأمر كذلك على برزان التكريتي في جنيف الذي كان يتلقى تعليماته مباشرة من صدام حسين ويدير المفاوضات السرية مع إيران حول الحرب العراقية-الإيرانية حينها. وكلاهما كانا من الدائرة الضيقة للحكم.

بالطبع هناك سفراء محترمون غادروا مناصبهم عندما أتيحت لهم الفرصة رغم ولائهم السياسي البعثي. فمع تزايد أزمات الحكم تحولت السفارات إلى فضاءات ذات وظيفة أمنية وليس مجرّد تمثيل سيادي، وبات من الصعب الفصل بين العمل الدبلوماسي والعمل الاستخباري في أروقة وزارة الخارجية وفي السفارات. ولم يعد السفير، في كثير من الحالات، صاحب القرار الأعلى في بعثته، بل واجهة لعمل أمني يُدار من خارج الأطر الدبلوماسية التقليدية.

كما جرى توظيف الغطاء الدبلوماسي في عمليات تصفية معارضين عراقيين في الخارج، وأحياناً شخصيات كانت في قلب النظام نفسه في عدة عواصم مثل بيروت والكويت ولندن وعدن وغيرها. وقد أفضى ذلك عملياً إلى تشديد الرقابة على البعثات العراقية وتقليص هامش حركتها.

أسهم ذلك المسار في إظهار صورة العراق كدولة تُدار علاقاتها الخارجية بعقلية أمنية مغلقة، وتعتمد سياستها الخارجية على منطق الصدام قبل الدبلوماسية، وتفتقد للقدرة على بناء تحالفات مستدامة، أو على قراءة التحولات الدولية قراءة دقيقة، وتتسع فيها الفجوة بين الخطاب الرسمي والواقع الدولي. وقد ظهر ذلك بوضوح في الثمانينات والتسعينيات حيث أفرغت الدبلوماسية من مضمونها، واستبدلت بمنطق القوة والتهديد، فأصبحت الحروب هي الخيار الوحيد. وقد جرى ما جرى بعد إغفال حصيلة الحرب الباردة والتغيرات التي طرأت على العلاقات الدولية في الربع الأخير من القرن العشرين.

كذلك أدى تداخل الأمن والسياسة الخارجية إلى ضعف التواصل مع الجاليات العراقية في الخارج. وشعرت الجاليات بأن السفارات هي أدوات رقابة ومراقبة أكثر منها دعم وتمثيل سيادي. وأسهمت بيئة الشك تلك في تضييق هامش المبادرة الدبلوماسية. فالمسؤولون في الخارج أصبحوا أقل استعداداً للانخراط في أي حوارات معقدة، وأسرع في الالتزام بالتعليمات الصادرة من بغداد، مهما كانت نتائجها على مصالح الدولة، وبرزت ظاهرة الدبلوماسية الانفعالية على حساب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى.

وعندما تصبح السفارات أدوات أمنية تظهر الدولة أكثر انغلاقاً، يسودها الخوف من الداخل أكثر من الرغبة في التفاهم مع الخارج. وقد أسست تلك التوجهات في النهاية لنهج متكامل من العزلة والتوتر، وضع العراق في مواجهة مستمرة مع محيطه الإقليمي والدولي، وصار مسرحاً للأزمات والحروب.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات (1)
سعد حسن 2026-02-07

ما يطرحه هذا النص ليس قراءة انتقائية لتجربة الدبلوماسية العراقية في عهد البعث، بل تفكيك بنيوي لمسارٍ سياسي حوّل السياسة الخارجية من مجال إدارة مصالح الدولة إلى أداة ضمن منظومة السيطرة الأمنية. القوة هنا لا تأتي من الإدانة الأخلاقية، بل من الربط المنهجي بين طبيعة النظام وسلوك الدبلوماسية بوصفها انعكاساً مباشراً لبنية الحكم. النقطة الجوهرية التي يُحسن النص إبرازها هي أن التدهور لم يكن حادثاً عارضاً ولا نتيجة أشخاص بعينهم، بل نتيجة منطق حكم يرى الدولة امتداداً للحزب، والحزب امتداداً للأمن، والأمن بديلاً عن السياسة. في مثل هذا السياق، لا يمكن للدبلوماسية أن تكون مهنية أو مستقلة، لأنها ببساطة لا تُدار بوصفها أداة تفاوض، بل بوصفها قناة ضبط ومراقبة. التبعيث الذي أصاب وزارة الخارجية لم يكن مجرد تغيير في الانتماءات، بل تغيير في الوظيفة نفسها: من مؤسسة تنتج معرفة عن الخارج إلى جهاز ينقل خطاباً جاهزاً إلى الخارج. السفير في هذا السياق لم يعد صانع تقدير موقف، بل ناقل تعليمات، بل وأحياناً موضوع مراقبة داخل بعثته نفسها. هذه النقطة، المدعومة بالشهادات والمذكرات، تكشف عمق الارتياب الذي حكم العلاقة بين السلطة حتى وأدواتها. والأخطر من ذلك هو اختزال القرار الخارجي في يد فرد واحد. حين تُلغى المؤسسية، لا تعود الأخطاء قابلة للتصحيح، بل تتراكم حتى تنفجر على شكل حروب أو عزلة. تجاهل التقارير المهنية، ومعاقبة من ينقل تقييماً واقعياً، خلق بيئة تُكافئ المبالغة وتُعاقب التحذير. وهنا تفقد الدبلوماسية جوهرها: القدرة على استشراف المخاطر قبل وقوعها. التجارب الاستثنائية التي يذكرها النص — سواء لسفراء امتلكوا هامش جرأة أو لشخصيات من الدائرة الضيقة — لا تنقض القاعدة، بل تؤكدها. فهي تُظهر أن الاستثناء كان مرتبطاً بالقرب من مركز القرار لا بالكفاءة المؤسسية، أي أن النفاذ إلى التأثير لم يكن حقاً وظيفياً بل امتيازاً سياسياً. كذلك فإن تداخل العمل الدبلوماسي مع العمل الاستخباري لم يؤدِّ فقط إلى تشويه صورة العراق خارجياً، بل إلى تدمير الثقة بين الدولة وجالياتها في الخارج. حين تتحول السفارة إلى فضاء خوف، تفقد الدولة إحدى أهم أدواتها الناعمة: مواطنيها. وهذا ما يفسر ضعف الاستثمار في القوة الناعمة العراقية رغم ثقل العراق التاريخي والثقافي. الخلاصة التي يصل إليها النص دقيقة: دولة تُدار بعقلية أمنية مغلقة لا تستطيع بناء تحالفات مستدامة، ولا قراءة التحولات الدولية، ولا الخروج من منطق الصدام. وعندما تُفرغ الدبلوماسية من مضمونها، يصبح السلاح هو اللغة الوحيدة، وتصبح الحروب بديلاً عن السياسة. هذا النص لا يُدين الماضي من أجل الإدانة، بل يقدّم درساً واضحاً: الدبلوماسية لا تزدهر إلا في دولة مؤسسية، والسياسة الخارجية لا تُدار بالخوف، بل بالمعرفة، ولا تُصاغ بالأوامر، بل بالتقدير العقلاني للمصالح. وهو درس لا يخص الماضي وحده، بل أي دولة تفكر في إعادة بناء علاقتها مع العالم.