سقوط نظام حزب البعث في عام 2003 لم يكن مجرد نهاية لعهد سياسي مستبد، بل صدمة شديدة لبنية الدولة العراقية ومؤسساتها، وخاصة وزارة الخارجية التي كانت تعمل أكثر كأداة في آلة السلطة البعثية منها كمؤسسة دبلوماسية حقيقية تدافع عن مصالح الدولة والمجتمع.
لقد ترك البعث تأثيرًا مدمراً على أسلوب إدارة الدولة والعلاقات الخارجية، حيث كان النظام السابق يربط كل نشاط داخلي أو خارجي بالدور السياسي للبعث، وبذلك يقيد حرية المبادرة والقرار المستقل للدبلوماسيين. وقد تسببت سياسات البعث القمعية في فقدان الدولة القدرة على تطوير كوادرها ومؤسساتها، وفقدت الخارجية شبكة من الدبلوماسيين المتمرسين الذين يعتمد عليهم في إدارة السياسة الخارجية التقليدية، سواء في المنظمات الإقليمية مثل جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، أو في العلاقات الثنائية مع القوى الكبرى، أو في المنظمات الدولية ووكالات الأمم المتحدة المتعددة الأطراف.
كذلك فرضت التوترات الإقليمية المستمرة لعقود، سواءً مع إيران أو تركيا أو دول الخليج، قيودًا إضافية أعافت ممارسة سياسة خارجية مستقلة، وجعلت كل خطوة في السياسة تتطلب العمل وسط ضغوط القوى الكبرى والقوى الإقليمية.
مع انهيار البعث، انكشف الزيف الدعائي للماكنة الإعلامية البعثية، وصوتها الأبرز محمد سعيد الصحاف، الذي شغل هو الآخر منصب وزير خارجية لتسعة أعوام (1992-2001) ومنصب سفير لسنين عديدة. وهو نموذج للأداء الدبلوماسي والإعلامي في نظام البعث القائم على الادعاءات الكاذبة وتزييف الحقائق والانكار، وكان قد أنكر أمام الكاميرات وجود القوات الأمريكية في العاصمة بغداد وهي على مقربة من مكان وجوده، قبل أيام من سقوط تمثال الطاغية في ساحة الفردوس!
لم يكن مصير وزارة الخارجية بعد حرب 2003 مختلفاً عن مصير مؤسسات الدولة الأخرى التي تُركت للفوضى والفراغ الإداري، بل وللنهب والحرق وإتلاف الوثائق، سواء في المركز أو في بعض السفارات العراقية في الخارج.
بعد سقوط الحكم البعثي تولّت مهمة تهدئة الوضع والسيطرة على مبنى وزارة الخارجية، لجنة ضمّت عدداً من الدبلوماسيين السابقين الذين التحقوا بالمعارضة قبل ذلك التاريخ وكانوا يتمتعون باستقلال سياسي واضح، منهم السادة السفراء موفق مهدي عبود، ومحي الخطيب، والمرحوم غانم الشبلي، وسعد الفضلي. وجرى حينها استدعاء السفراء العاملين في الخارج فعاد معظمهم، ورفض آخرون العودة، وتمرد بعضٌ آخر كما في سفارتي العراق في الصين وفي جنوب أفريقيا. كان التعامل مع العائدين مهنياً وسمح لبعضهم الاستمرار بالعمل وانهيت خدمات أغلبهم وخيروا بين البقاء في العراق أو المغادرة.
كان الوضع داخل الوزارة ملغوماً. فخلايا حزب البعث، ظلت نشطة الى فترة طويلة نسبياً بعد نيسان 2003، مع فترات ترقب وتفجيرات ومحاولات خطف وتصفيات على خلفية مواقف وخلافات، كانت ربما منكفئة داخل الخارجية بفعل الخوف إبان حكم نظام البعث. شملت الاغتيالات عدداً من سفراء وموظفي الوزارة، وطالت كذلك السيدة عقيلة الهاشمي، التي أصبحت عضواً في مجلس الحكم، ووكيل وزارة الخارجية بسام كبة والسفير قصي مهدي وغيرهم.
تكشفت كذلك سلسلة من السرقات المالية في عدد من البعثات. وخاصة في السفارات التي كانت ضمن محطات تسلّم نسبة الـ 10% من عائدات برنامج النفط مقابل الغذاء على شكل مبالغ نقدية باعتبارها "خدمات ما بعد البيع". وللتاريخ فقد سجل القائم بالأعمال العراقي في دمشق حينها السيد أكرم الإمام والسفير نبيل الجنابي في بيروت موقفاً مشرفاً بتسليم المبالغ التي كانت بحوزة السفارتين الى الوزارة حيث كان المبلغ في دمشق 22 مليون دولار وفي بيروت 10 مليون دولار.
أما سفير العراق لدى الأمم المتحدة محمد الدوري فقد قال في لقاء تلفزيوني بأنه أمر المحاسب بدفع المبلغ المتوفر في البعثة إلى موظفي البعثة وبضمنهم السفير نفسه وبما يغطي مصاريف لمدة شهرين.
داخليًا، واجهت الوزارة فراغاً مؤسساتياً وضعفاً لدى الكوادر وافتقاراً للقدرة على التخطيط للمدى الأطول كان يصعب معه صياغة سياسة خارجية متسقة في ظل تحديات عدم الاستقرار والاحتلال.
أما خارجيًا، فكانت الضغوط الإقليمية والدولية هائلة، بدءًا من الاحتلال الأمريكي، مرورًا بالتحولات الإقليمية في الجوار، وصولًا إلى الصراعات السياسية التي أعقبت التغيير داخل العراق، بما في ذلك الانقسامات الطائفية والإقليمية التي أثرت على القدرة الدبلوماسية بشكل مباشر.
فقد أدى إدخال الولاء الحزبي إلى صميم مؤسسات الدولة، ومنها الخارجية، إلى اختلالات طويلة الأمد، وحوّل الموظفين إلى أدوات لتنفيذ السياسات الحزبية الداخلية وجعل السياسة الخارجية العراقية هشة وعرضة للتقلبات والضغوط.
بدأ العمل وسط الفوضى والتوتر بعدد محدود من السفراء والدبلوماسيين العراقيين، وفتحت قنوات التواصل مع الدول الأخرى والمنظمات الدولية، مثل الأمم المتحدة ومنظمة التعاون الإسلامي وجامعة الدول العربية. وصار لازماً بعد السقوط أن تتاح الفرصة للدبلوماسيين للتركيز على مصالح الدولة، والقدرة على التمييز بين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية والعمل على استعادة الثقة الدولية التي تضررت خلال حقبة البعث.
تحققت بعض الإنجازات وشكّلت، رغم محدوديتها، قاعدة لتعزيز السيادة ولتحسين سمعة الدولة أمام المجتمع الدولي، ولتخفيف الضغوط الناتجة عن النزاعات الداخلية والفوضى السياسية بعد الاحتلال.
كان إرث البعث، رغم سقوطه، حاضرًا في ميادين السياسة والدبلوماسية. لكن الدرس الأساسي المستفاد هو أن قوة الدولة لا تُقاس بقوة القمع والطغيان، بل بقدرتها على إدارة مؤسساتها، وحماية مصالح شعبها وعلى مواجهة تحديات المستقبل بوعي أكبر واستراتيجية أكثر وضوحًا في عالم معقد ومتغير. ولا شك في أن أداء الخارجية يمثل مرآةً للأداء الحكومي ككل في حماية استقلال وسيادة العراق.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!