{وَمَا عَلَيْنَا إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ}.
*والنصيحةُ أَو التَّحذيرُ والتَّنبيهُ فضلٌ من الله تعالى ونِعمةٌ يسوقُها على لسانِ الاخَرين، خاصَّةً عندما تأتي في لحظةِ غفلةٍ! فكأَنَّها مُنبِّهٌ، فإِمَّا أَن تكفرَ بها فتتجاهلَها أَو أَنَّك تشكرَها بالأَخذِ بها والإِعتناءِ بها.
يقولُ تعالى {قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ} ثُمَّ قَولهُ تعالى {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ}.
*الغريبُ في الأَمرِ هوَ أَنَّ البعضَ من النَّاسِ يرفضُ النَّصيحةََ حتَّى قبلَ أَن يسمعَها وإِذا سمعَها قبلَ أَن يستوعبَها وإِذا استوعبَها قبلَ أَن يزِنَ أَهمِّيَّتها فيأخُذها أَو يرفُضها.
لَو كانَ يفهمُ بها لقُلنا أَنَّ من حقِّهِ أَن يُجادِلَ فيها، لكنهُ إِذا كانَ جاهلاً بشيءٍ منها فإِنَّ جِدالهُ عبثٌ لا ينبغي لأَحدٍ أَن يتعاطى معهُ {هَا أَنتُمْ هَٰؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}.
هذا النَّوعُ من النَّاسِ يرفضُونَ النُّصحَ والتَّحذير من دونِ علمٍ ومعرفةٍ، فلا هُم يعرفُونَ شيئاً عن جوهرِها ولا هُم يلجأُونَ لأَهلِ الخبرةِ مثلاً لدراستِها {فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا} إِنَّما يتعاملونَ معَها بجهلٍ وغباءٍ وعَنادٍ وعدمِ معرفةٍ، تتحكَّمُ فيهِم الأَهواء والرَّغبات {وَإِنَّ كَثِيرًا لَّيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِم بِغَيْرِ عِلْمٍ ۗ} كالذينَ يحدِّثُنا عنهُم القرآن الكريم بقولهِ {حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُم بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} و {إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ}.
والأَهواءُ التي تقضي على العقلِ والتَّفكيرِ السَّليمِ هي بدايةُ كُلَّ فتنةٍ كما يصِفُ ذلكَ أَميرُ المُؤمنينَ (ع) بقَولهِ {إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ}
ومِن وصيَّةٍ لهُ (ع) وصَّى بها شُريح بن هانِئ لمَّا جعلهُ على مُقدِّمتهِ إِلى الشَّام {اتَّقِ اللَّه فِي كُلِّ صَبَاحٍ ومَسَاءٍ وخَفْ عَلَى نَفْسِكَ الدُّنْيَا الْغَرُورَ ولَا تَأْمَنْهَا عَلَى حَالٍ واعْلَمْ أَنَّكَ إِنْ لَمْ تَرْدَعْ نَفْسَكَ عَنْ كَثِيرٍ مِمَّا تُحِبُّ مَخَافَةَ مَكْرُوه سَمَتْ بِكَ الأَهْوَاءُ إِلَى كَثِيرٍ مِنَ الضَّرَرِ فَكُنْ لِنَفْسِكَ مَانِعاً رَادِعاً ولِنَزْوَتِكَ عِنْدَ الْحَفِيظَةِ وَاقِماً قَامِعاً}.
أَو أَنَّهم يُناقشُونَ بالنصيحةِ ويجادلُونَ بالتَّحذيرِ من دونِ خبرةٍ مثلاً أَو علمٍ أَو إِعتمادِ الهَدي من كتابٍ أَو دِراسةٍ أَو بحثٍ أَو حتَّى تجربةٍ وما إِلى ذلكَ {وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ}.
إِنَّ مثلهُم كمثلِ المريضِ الذي يُناقشُ الطبيبَ المتخصِّصِ في أَمرٍ لا يفهمُ فيهِ ويُجادِلهُ في دواءٍ لا يعرِف عنهُ شيئاً.
هذا النَّوعُ من النَّاسِ يضيِّعونَ الكثير من فُرص الإِصلاح والتَّغيير أَو من فُرصِ الحمايةِ.
*والبعضُ من النَّاسِ يتعاملُ مع النَّصيحةِ والتَّحذيرِ كشُؤمٍ يتطيَّرُ بهِ ويتشاءمُ منهُ {قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ ۖ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ} بدلاً من أَن يتعاملَ معها كجرسِ إِنذارٍ يُنبِّههُم إِلى ما يُصحِّحونَ بهِ مساراً خطأً مثلاً أَو يكشِفُونَ بهِ أَدواتٍ مشبوهةٍ.
*ومنهُم مَن يتعاملُ معَ كُلِّ نصيحةٍ كمُؤامرةٍ تُحاكُ ضدَّ سُلطتهِ ونفُوذهِ! ومعَ كُلِّ تحذيرٍ كنَوعٍ من الغيرةِ والحسدِ والإِبتزازِ، فيشيعُ الإِشاعات ضدَّ النَّاصحِ أَو يُشكِّكُ في نواياهُ لأَنَّهُ لا ينتمي إِلى خطِّهِ أَو ليسَ من جماعتهِ أَو أَنَّهُ يسعى للإِحلالِ محلِّهِ {قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَىٰ}.
*ومنَ النَّاسِ مَن يخشى من النَّصيحةِ والتَّحذيرِ فلا يُواجِهكَ وجهاً لوجهٍ ليُناقشكَ بها ولكنَّهُ يشنُّ عليكَ الحرُوبَ القذِرة وراءَ ظهركَ وعندَ غيابكَ {فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُم بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ ۚ أُولَٰئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ ۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}!.
تُرى؛ لماذا لا يواجِه النَّاصِح وجهاً لوجهٍ؟! هل هوَ الخَوفُ مثلاً أَو الخجَل أَو الجهَل أَو [العِزَّة والكِبرياء]؟!.
ليسَ مُهمّاً كُلَّ هذا ولكنَّ السُّؤَال هُنا؛ إِذا كانَ عاجزاً عن مواجهةِ النَّصيحةِ أَمامكَ فلماذا [يُناقشها] في غيابكَ؟! لماذا هذا النِّفاقُ والجُبنُ؟! هل يُريدُ أَن يسرقَها فينسبها لنفسِهِ ليكُونَ عبقريّاً في تفكيرهِ أَمامَ حاشيتهِ المُستفيدةِ منهُ أَو المُغفَّلة؟!.
لقد كانَ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) عندما يُريدُ أَن ينصحَ أَو يُجادِلَ كانَ يُواجهَ النَّاسَ ويسعى لإِشراكهِم في الحِوار ليستفرِغَ بكلامهِم ما يعتقِدونَ بهِ حتى إِذا لم يكُن دقيقاً، المُهم أَن يتكلَّموا معهُ وجهاً لوجهٍ، فكانَ يخطبُ فيهِم قائِلاً لهُم {أَمْسِكُوا عَنِ الْكَلَامِ وأَنْصِتُوا لِقَوْلِي وأَقْبِلُوا بِأَفْئِدَتِكُمْ إِلَيَّ فَمَنْ نَشَدْنَاهُ شَهَادَةً فَلْيَقُلْ بِعِلْمِهِ فِيهَا}.
هوَ (ع) كانَ يسعى لإِغلاقِ بابِ النِّفاقِ عندهُم فلَم يشأ أَن يتحدَّثَ أَحدٌ بحضُورهِ في شيءٍ وبغَيابهِ بشيءٍ آخَرَ!.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!