RSS
2026-04-04 13:34:06

ابحث في الموقع

خطاب القوة أم المأزق؟ لماذا يكرر ترامب نبرته حول حرب إيران؟

خطاب القوة أم المأزق؟ لماذا يكرر ترامب نبرته حول حرب إيران؟
بقلم: مصطفى السراي - مدير الأبحاث في مركز البيان للدراسات والتخطيط

في لحظات الحروب الكبرى، لا تكون الخطابات السياسية مجرد تعبير عن الموقف، بل تتحول إلى أدوات استراتيجية بحد ذاتها، تُستخدم لإدارة الصراع، وضبط التوقعات، وإعادة تشكيل الإدراك العام للحرب. وفي هذا السياق، يكتسب خطابات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حول الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران أهمية خاصة، ليس فقط لما تضمّنه من مواقف، بل لما كشفه من تناقضات بنيوية تعكس مأزقاً استراتيجياً عميقاً.

فالخطاب، عند تفكيكه، لا يبدو إعلان نصر بقدر ما هو محاولة لإدارة أزمة متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الضغوط الداخلية، وتتصارع فيها ضرورات الردع مع محدودية القدرة على الحسم.

الشعبوية كإطار حاكم للخطاب

من أجل فهم أعمق لهذا النمط من الخطاب، ينبغي ربطه بطبيعة دونالد ترامب الشخصية والسياسية، الذي يُعتبر نموذجًا بارزًا للقيادة الشعبوية. ترامب شخصية شعبوية-فوضوية، لذا فهو يخاطب الجمهور بما يرغبون في سماعه، وبما يثير حماسهم ويُدخل الخوف إليهم؛ ولهذا السبب لا يخاطب المؤسسات أو الجهات الفاعلة كمراكز الفكر والجامعات وجماعات الضغط والمؤسسات السياسية، بل يخاطب الجمهور والإعلام، وهذه هي طبيعة الشخصية الشعبوية.

الشخصية الشعبوية كحالة ترامب لا تثق بالمؤسسات، وتسعى دائمًا إلى جعلها تبدو بمظهر الكاذب، وهذا ما كان يردده عن الإدارات الأمريكية السابقة، ولذلك فهو يُكرّر خطاباته كي يُقنع الجميع بصدقه.

قرار الحرب اتُّخذ من قِبَل ترامب وروبيو وجي دي ووزير الحرب ونتنياهو، وبالتالي لم تكن مؤسسات الإدارة الأمريكية مُطلعة عليه بشكل كبير، لذا فهو يحاول أن يكون هو صاحب الخبر الأول والمعلومة الأولى.

نرى دائمًا تصريحات ترامب في اتجاهين: إظهار القوة والتلويح باستخدامها، وذلك ليتمكن من تحقيق ما يريد وكسبه، ويجد له مبررًا لاحقًا في حال حدوثه. لذا فالتصريحات المتناقضة لا تُقدّم حسمًا، ولا قرارًا، ولا توقيتًا محددًا، ولا نتائج واضحة ولا معايير تُقاس عليها معدلات الفشل والنجاح، وهذا هو بالضبط ما يسعى إليه ترامب.

وعليه يمكن القول ان الشعبوية في جوهرها تقوم على تبسيط القضايا المعقدة، وتقديم حلول حاسمة وسريعة، والاعتماد على الخطاب العاطفي المباشر، وتقسيم العالم إلى ثنائيات (نحن/هم، قوة/ضعف). وهذه السمات تنعكس بوضوح في خطاب ترامب، اذ نرى:

التبسيط المفرط: الحرب المعقدة تُقدَّم كصراع يمكن حسمه بسهولة، مع التقليل من تعقيداتها الاستراتيجية مثل ازمة مضيق هرمز.

لغة القوة المطلقة: استخدام تعبيرات مثل “تدمير كامل” أو “إعادة إلى العصر الحجري” يعكس ميلاً إلى تضخيم القدرة وإظهار الحسم، حتى لو لم يكن واقعياً.

التناقض كأداة: في الخطاب الشعوبي، لا يُنظر إلى التناقض كضعف، بل كمرونة خطابية تسمح بمخاطبة جماهير مختلفة في الوقت نفسه.

شخصنة القرار: الحرب تُقدَّم كنتاج لإرادة القيادة، لا كحصيلة توازنات معقدة، ما يعزز صورة القائد القوي.

مفارقة الخطاب: نهاية الحرب أم توسيعها؟

أبرز ما ميّز خطاب ترامب هو الجمع بين فكرتين متناقضتين ظاهريا، التأكيد على أن الحرب تقترب من نهايتها، وفي نفس الوقت التهديد بتصعيد واسع قد يشمل تدمير البنية التحتية الإيرانية مثل الطرق، والجسور، ومحطات الطاقة، والكهرباء.

هذه المفارقة ليست عفوية، بل تعبّر عن نمط معروف في الخطاب السياسي خلال الأزمات، حيث يسعى القائد إلى تحقيق توازن دقيق بين طمأنة الداخل وإبقاء الضغط على الخصم. غير أن هذه الازدواجية تكشف أيضاً عن إشكالية أعمق تثير أسئلة جوهرية لم يتم الإجابة عنها، مثل إذا كانت الحرب تقترب فعلاً من نهايتها، فلماذا يتم التلويح بتصعيد غير مسبوق؟ وإذا كان التصعيد ضرورياً، فكيف يمكن الحديث عن نهاية قريبة؟ هنا يتضح أن الخطاب لا يعكس واقعاً مستقراً، بل حالة من اللايقين الاستراتيجي.

لا تحقيق فعلي للنصر وإعادة تعريفه

من السمات البارزة في خطابات ترامب تأكيده المتكرر على تحقيق الأهداف وتدمير قدرات إيران، ولكن في قراءة ميدانية أكثر دقة تشير إلى أن القدرات الإيرانية، خصوصاً فيما يتعلق بالبنية العسكرية والقدرات غير التقليدية، لم تُحسم بشكل نهائي.

هذا التناقض يدفع إلى استنتاج (ترامب لا يعلن نصراً بقدر ما يعيد تعريفه) فبدلاً من ربط النصر بإنهاء التهديد الإيراني بشكل كامل، يتم تقديمه على أنه إضعاف القدرات الايرانية، أو فرض تكلفة عالية مثل تكراره إعادة إيران الى العصر الحجري، أو إعادة ترسيخ الردع. وهذا ما يمكن تسميته بــ (النصر الوظيفي) أي النصر الذي يؤدي وظيفة سياسية وإعلامية، حتى لو لم يتحقق بمعناه العسكري الكامل.

خطاب التهديد كبديل عن الحسم

في مقابل الحديث عن الإنجاز، يتضمن الخطاب تصعيداً لغوياً لافتاً، خاصة في التهديد باستهداف البنية التحتية الإيرانية، هذا النوع من الخطاب لا يُقرأ فقط كرسالة ردع، بل كتعويض عن غياب الحسم السريع.

فعندما تفشل العمليات العسكرية في تحقيق نتائج حاسمة خلال فترة زمنية قصيرة، تميل القيادات السياسية إلى رفع سقف التهديد، وتوسيع نطاق الأهداف المحتملة، واستخدام لغة أكثر حدّة. وذلك لخلق انطباع بالسيطرة، حتى في ظل تعقيد الواقع الميداني لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر كبيرة، إذ قد تؤدي إلى توسيع نطاق الحرب، وتقليص فرص التسوية، وزيادة احتمالات الانزلاق إلى مواجهة شاملة.

الداخل الأمريكي كمحرّك رئيسي للخطاب

لا يمكن فهم خطاب ترامب دون وضعه في سياق البيئة الداخلية الأمريكية، فالحرب رغم بعدها الخارجي، تُدار أيضاً كقضية داخلية تتأثر بعوامل عدة الرأي العام المتذبذب، والضغوط الاقتصادية خصوصاً أسعار الطاقة، بالإضافة الى الحسابات الانتخابية والسياسية لاسيما مع قرب الانتخابات النصفية.

في هذا الإطار، يبدو أن الخطاب موجّه بقدر كبير إلى الداخل، حيث يسعى ترامب من خلاله الى طمأنة الجمهور بأن الحرب تحت السيطرة، وتبرير استمرار العمليات العسكرية، بالمقابل منع تآكل التأييد الشعبي الذي أصبح متذبذباً في الأيام الماضية نتيجة الحرب. لذا فإن التأكيد على قرب النهاية على الرغم من عدم وجود وقائع مادية قوية تدعم فكرة النهاية القريبة للحرب، سواء عسكرياً او سياسيا، لذا فان تكرار هذه التصريحات يخدم وظيفة سياسية داخلية واضحة.

غياب الهدف النهائي… أزمة استراتيجية

من أبرز ما يكشفه الخطاب هو غموض الهدف النهائي للحرب. فالتصريحات لا تقدّم إجابة واضحة على سؤال جوهري: ماذا تريد الولايات المتحدة فعلياً من هذه الحرب؟ أعلنت الولايات المتحدة عن أربعة أهداف رسمية: تصفية التهديد الصاروخي الإيراني، وتدمير قدرات البحرية الإيرانية، وتفكيك منظومة الصواريخ والطائرات المسيّرة، وقطع الطريق نحو السلاح النووي. ليقوم بها ترامب بتقديم تصريح اخر بعد أيام من الحرب أعلن فيه صراحةً أن الهدف هو تغيير النظام، هذا الامر كشف عن هوّة واسعة بين الأهداف المحدودة والمطامح الكبرى. وحين سُئلت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت عن تغيير النظام كهدف رسمي، تراجعت ورفضت التأكيد.

 يكمن جوهر المأزق الأمريكي في التناقض الجذري بين ثلاثة أهداف لا يمكن تحقيقها جميعاً في آنٍ واحد: الهدف النووي: تدمير البنية التحتية النووية الإيرانية لإبعاد شبح السلاح الذري. وهدف الاحتواء: إضعاف الجيش والأجهزة الأمنية الإيرانية لتقليص النفوذ الإقليمي. وهدف تغيير النظام: دفع الإيرانيين إلى الثورة وإسقاط الجمهورية الإسلامية. المشكلة أن تحقيق الأول يستلزم ضربات جراحية محدودة، والثاني يتطلب حرباً مطوّلة تستنزف إيران، أما الثالث فلا تستطيع الطائرات تحقيقه مهما كانت قدراتها.

ربما أكد ترامب ذلك، لذا نرى ان جميع الخطابات والتصريحات لا تجيب على الأسئلة الجوهرية من هدف هذه الحرب ما هو؟ هل الهدف تدمير البرنامج النووي؟ ام تغيير سلوك النظام الإيراني؟ او إسقاط النظام؟ أم مجرد إعادة ترسيخ الردع؟ هذا الغموض لا يُعد تفصيلاً، بل يمثل جوهر الأزمة، لأنه يعيق وضع استراتيجية خروج واضحة، ويفتح الباب أمام تصعيد غير محدود، ويزيد من احتمالات الانزلاق إلى حرب طويلة.

الانعكاسات الإقليمية نهاية المنطقة الرمادية

بالنسبة للمنطقة، يحمل هذا الخطاب دلالات خطيرة فالتصعيد المحتمل خاصة ضد البنية التحتية يعني أن الحرب قد تدخل مرحلة أكثر شمولاً، تتجاوز الأهداف العسكرية المباشرة. في ذات الوقت تحمل الخطابات بعد ولائي يحاول ترامب فرضه على الدول من خلال هذه الحرب، لعيد رسم الخارطة الدولية لمصالح أمريكا وفقاً لمواقف هذه الحرب.

في هذا السياق، تواجه الدول الرمادية مثل بعض الدول الاوربية، والإقليمية أبرزها، فرنسا وبريطانيا واسبانيا وتركيا والعراق تحدياً متزايداً، حيث يصبح من الصعب الحفاظ على التوازن بين الأطراف المتصارعة. فالخطاب الأمريكي، بطبيعته التصعيدية، يدفع نحو تقليص مساحات الحياد، ويتضح هذا من خلال الشكر الدائم على ما يسمهم ترامب (حلفائه في المنطقة) من دول الخليج على سبيل المثال الامارات، والسعودية، والكويت، والأردن، وغيرهم.

 في المقابل يحاول ترامب من خلال خطاباته زيادة الضغوط للاصطفاف، وهذا نراه حول ازمة مضيق هرمز ودور الدول الاوربية فيه او التهديد بالخروج من تحالف الناتو. في ذات الوقت تحاول الخطابات توسيع ساحات الصراع غير المباشر مثل التلويح بالقضية الكردية او اثارة نعرات دينية وطائفية.

وهذا ما يشير إلى تحول أعمق في طبيعة الصراع الإقليمي، من صراع قابل للاحتواء إلى صراع مفتوح بلا قواعد واضحة.

خطاب مأزق لا خطاب نصر

في المحصلة، لا يمكن قراءة خطاب ترامب بوصفه تعبيراً عن موقع قوة مطلقة، بل كدليل على مأزق استراتيجي يحاول أن يُقدَّم بلغة القوة فهو يجمع بين إعلان اقتراب النهاية والتهديد بتصعيد واسع، وتضخيم الإنجازات، بالمقابل غموض الأهداف وهذه السمات مجتمعة تشير إلى حالة من إدارة الأزمة أكثر من حسمها.

لذا يكشف خطاب ترامب حول الحرب على إيران عن مفارقة جوهرية في السياسة الدولية المعاصرة ففي الوقت الذي تُستخدم فيه القوة العسكرية على نطاق واسع، تتزايد صعوبة تحقيق الحسم الاستراتيجي وفي هذا السياق، يصبح الخطاب السياسي أداة لتعويض هذا العجز، عبر إعادة تعريف النصر، وضبط التوقعات، وإدارة الإدراك العام.

غير أن هذه الاستراتيجية، رغم فعاليتها القصيرة المدى، لا يمكن أن تحل محل استراتيجية واضحة المعالم. ومع استمرار الغموض، يبقى السؤال مفتوحاً: هل نحن أمام نهاية حرب… أم بداية مرحلة أكثر خطورة منها؟

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!