RSS
2026-04-05 16:37:35

ابحث في الموقع

موسكو لن تذرف دموعا سياسية على طهران!

موسكو لن تذرف دموعا سياسية على طهران!
بقلم: كرم نعمة

رسالة التهنئة التي بعث بها فلاديمير بوتين إلى القيادة والشعب الإيراني بمناسبة عيد النوروز ليست أكثر من بطاقة موسمية لا قيمة سياسية لها في زمن الحرب. وذكر الكرملين أن بوتين أرسل تهنئة إلى مجتبى خامنئي والرئيس مسعود بزشكيان بمناسبة السنة الإيرانية الجديدة. لكن من يعرف طريقة تفكير موسكو يدرك أن بوتين لا يذرف دموعًا سياسية على أحد؛ لا على خامنئي، ولا على بشار الأسد، ولا على نيكولاس مادورو. فالرجل لا يرى في هؤلاء “حلفاء”، بل أوراقًا تُستخدم ثم تُترك.

الكلمات التي تقول إن “روسيا ستبقى صديقًا وفيًا وشريكًا موثوقًا لإيران” تنتمي إلى قاموس العلاقات العامة، لا إلى قاموس التحالفات الحقيقية أثناء الحرب. فالشراكة الاستراتيجية المعلنة بين طهران وموسكو لا تتضمن بندًا للدفاع المتبادل، ولا حتى التزامًا سياسيًا واضحًا. موسكو، عبر تاريخها السياسي المعاصر، لم تكن يومًا صديقًا وفيًا لأحد، بل دولة لا ترى في الآخرين سوى فرص مؤقتة تُستغل ثم تُترك خلفها.

حتى داخل إيران نفسها، هناك من يعترف بأن موسكو لم تقدّم لطهران أي مساعدة حقيقية في أكبر أزمة تواجهها منذ سقوط الشاه عام 1979.

وهذا ليس مفاجئًا. فقد كتب المؤرخ الأميركي ستيفن كوتكين: بوتين لا يبني تحالفات، بل شبكات نفوذ، تنتهي صلاحيتها حين ترتفع كلفة الدفاع عنها.

وهذه الجملة وحدها تكفي لتفسير كل شيء. روسيا لا تدخل حربًا من أجل حليف. روسيا تدخل الحرب فقط من أجل نفسها.

ولأن موسكو تنظر إلى مأزق إيران بوصفه صفقة لا تحالفًا، فقد اقترحت على واشنطن صفقة صريحة: أن يتوقف الكرملين عن تزويد إيران بالمعلومات المخابراتية إذا توقفت الولايات المتحدة عن تزويد أوكرانيا بمعلومات عن روسيا. رفضت واشنطن الفكرة، وبقيت موسكو في موقعها الطبيعي: المتفرج الذي يساوم، لا الحليف الذي يدافع.

وهكذا حين ترتفع الكلفة، تتبخر كل الوعود، وتتحول “الصداقة” إلى عبء يجب التخلص منه.

خذ العراق مثالًا صارخًا: استفادت موسكو من بغداد إلى أقصى حد اقتصاديًا عبر صفقات تسليح ونفط بمليارات الدولارات، لكنها تخلّت عنه في اللحظة التي احتاج فيها إلى موقف سياسي واضح. لم تُطلق موسكو حتى تصريحًا رمزيًا يعترض على غزوه، وكأن كل تلك العلاقات لم تكن موجودة أصلًا.

هذا ليس سلوك دولة حليفة، بل سلوك دولة لا ترى في الآخرين سوى مصدر دخل مؤقت.

الأمر نفسه تكرر مع بشار الأسد الذي لم تنقذه سياسيا. فهرب إلى موسكو ووجوده هناك أشبه بإقامة جبرية مثل أي مطرود من بيته.

فإذا كان هذا حال “الحليف الذي لم تنقذه روسيا”، فكيف سيكون حال إيران وهي تنهار أمامها، ويُقتل قادتها في غرف نومهم؟

التاريخ السياسي الروسي مليء بهذه اللحظات. هواري بومدين، الرئيس الجزائري الراحل، قالها بصراحة للقيادة السوفييتية: “أنتم تنظرون إلينا كأننا رعاة إبل، وتساعدوننا بطريقة مصلحية متعالية”.

لم يكن الرجل يبالغ. كان يصف بدقة طبيعة العلاقة التي تبنيها موسكو: علاقة فوقية، انتقائية، لا تقوم على الثقة بل على الحاجة.

اليوم، حين يرسل بوتين رسالة عاطفية إلى إيران، فهو لا يقدم دعمًا سياسيًا، ولا التزامًا عسكريًا، ولا حتى موقفًا دبلوماسيًا يمكن البناء عليه. إنها جملة اعتبارية لا قيمة لها في زمن تُقصف فيه إيران من الجو، وتُستهدف قياداتها في قلب العاصمة، وتفقد نفوذها الإقليمي بسرعة غير مسبوقة.

والأهم من ذلك أن روسيا تعرف أن إيران ليست جارًا لها، بل لاعبًا بعيدًا يمكن التضحية به بسهولة.

إيران بالنسبة لموسكو ورقة مساومة في صراعها مع الغرب. ورقة يمكن استخدامها، لا الدفاع عنها. ورقة يمكن التلويح بها، لا التضحية من أجلها. ورقة يمكن التخلي عنها في اللحظة التي تصبح فيها عبئًا.

لذلك، فإن رسالة بوتين ليست أكثر من مجاملة موسمية تُرسل في المناسبات، لا في لحظات المصير. رسالة لا تغيّر شيئًا في ميزان القوى، ولا تمنح إيران حماية، ولا تُطمئن شعبها، ولا تُخيف خصومها.

رسالة تُشبه تلك التي تُرسلها الدول الصغيرة لبعضها، لا تلك التي تصدر عن قوة عظمى في لحظة حرب.

في زمن الحرب، الكلمات التي لا تُترجم إلى أفعال لا قيمة لها. وإيران، التي تتلقى الضربات من كل اتجاه، تعرف جيدًا أن موسكو لن تكون مظلتها.

فروسيا، كما أثبتت كل التجارب، لا تملك أصدقاء… بل تملك مصالح فقط. والمصالح، كما نعرف، لا تبقى مع الضعفاء.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!