تذكرة وتصريح دخول
الإنسان بكيانه وبمظهره الخارجي والداخلي تشتمل تركيبته المادية والمعنوية على عناصر وجوانب متعددة ومتنوعة متباينة في التأثير وهي التي تؤلف كيانه وشخصيته وتبين إختلافه عن المخلوقات الأخرى بل تميزه عليها ماديا ومعنويا والتكون المادي هو الروح والبدن بشكل عام أما المكونات المعنوية فهي تتمثل بداية العقل والقلب الذي يشارك العقل أحيانا بالوظائف ثم الوعي والمشاعر والإحساس وربما يتشعب الإحساس بتأسيس وخلق الأفكار والعواطف والقناعات والتصورات والميولات وما يحفزه على الميول وكذلك الإيمان ومنها المعتقدات وما يشير منها إلى المبادئ والقيم والمفاهيم الأخلاقية وغيرها
وهذه العناصر منها ما هو وراثي تحمله وتنقله وتغرسه الجينات ومنها ما هو مكتسب وهي التي تيسر للإنسان احتواء بعض الطبائع أو الاستعداد للتطبع والتكيف والتأقلم والتأثر بما يحيط به. وتتدخل هذه العناصر أو تتحكم في تحديد أو تنظيم سلوكياته.
وهذه السلوكيات هي التي تُعَرِّف الآخرين على ملامح شخصيته ومقوماتها.
وقفة تعريفية قصيرة
قبل الخوض في تناول موضوعي الذي أبتغي طرحه والتوغل في صلبه أرغب أن أوقد جذوة لعلها تضيء لي الطريق الذي أود السير فيه أي بودي أن أمهد لبيان أهمية وجود الإنسان والإشارة إلى ضرورة دوره وما يتمثل به وما يُلقى على عاتقه من مسؤوليات أخلاقية وبيان كيفية تحمله مسؤولية استعمار الأرض أي تعميرها واصلاحها: (هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا) ـ هود / 61 وهذا ما يشير إلى فرضية تكليفه بدور مهم في تنظيم مسارات الحياة اليومية ومسالكها بقيادة وريادة مقترنة بالعقلانية والحكمية والحصافة وباستعداد تام لمجابهة العقبات وتحديها وتجاوزها من تلك التي تفرضها قسوة الظروف وتقلباتها. وبما أن الله جل وعلا سخر للإنسان الأشياء وجعلها طوع بنانه : (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ) ـ لقمان / 20 ومكنه من توظيف كل ما بوسعه لتطوير مفاصل الحياة وتنمية ما يمكن تنميته وتحقيق التوازن بين إرضاء الذات وتطويره وتزكية النفس وبين ما يترتب عليه من مسؤوليات للإرتقاء بالمجتمع الإيماني المتقدم الواعي الممتثل لأحكام الشريعة وأوامر السماء بالعمل الصالح وبالصيغ والأنماط الصحيحة وعند ذاك يمارس الانسان دوره الحقيقي المطلوب في استمرار مسيرة الحياة الطبيعية ويستوجب أن يراعي بشدة مصلحة المجتمع الذي ينتمي له ويجسد بصدق وإخلاص وبتحمس واندفاع تام للمساهمة الفاعلة في تطوير هذا المجتمع وتنقيته من كل كدر أو درن أو شبهة تعكر صفوه أو تشوه صورة ماهية مظهرية شخصيته. ويتحتم على الإنسان أن يدرك أن وظيفته السامية أن يسعى في البحث الجاد عن سبل ووسائل تعضد التماسك والتآلف ونبذ كل ما يؤدي إلى الفرُقة أو التحلل أو الإنحلال والتشتت والتمزق ويجتهد في محو أي أثر للإنهيار وإزالة أي دلالة من دلالات التهالك. وأن يبرهن على التشرف والتباهي بحمله هوية المجتمع الذي ينتمي إليه ويصون جلالة إبراقها وإشراقة الهوية لتبقى ناصعة الازدهار.
ولكل مجتمع وأمة وشعب هوية تنفرد وتتميز بها عن المجتمعات الأخرى.
ولا ضير وليس عيبا أو بالأمر الغريب أن نعلن بأننا من أبرز من يفخر ويعتز بهويته المبدئية العقائدية.
ويحق لنا أن نفخر بالتمسك بما تشتمل الهوية من فقرات أو بنود وفصول ومعايير أخرى.
إحتمالية التوصيف الإفتراضي
مما يقتضي الإشارة عنه إن أي هوية يحملها الإنسان لابد أن لها جهة تقوم بإصدارها.
الناس تمتلك هويات متعددة متنوعة منها ما هو متشابه ومنها ما هو مختلف. وثمة هوية تحقق السيادة لحاملها.
حين يشتمل حديثنا صيغة وسمة الإفتراضية نقول : ينبغي للأمم والشعوب وجهاتها التي تتبنى بالإفتراض تحديد نوع الهوية وإصدارها وتحدد شروطها وتخصص من هو مؤهلٌ لمنحها الهوية وحملها.
وبالجانب الآخر أن يتعهد الممنوح تلك الهوية معرفة الأسس والمبادئ التي تستبطنها الهوية والتقيد بفرضية تلك الأسس
فإنها أي الهوية هي التي تظهر خصوصية حاملها وتحدد وتبين سماته ومتبنياته وقيمه وله أن يجعلها تفرض نصاعتها وشيوع أسسها ونشرها لفرض قناعة الآخرين بمضامينها ولتكسبه ثقة الآخرين واحترامهم وتقديرهم .
وأن يتقن كيفية انتخاب عرضها حين يتطلب ذلك والجهة التي ممكن أن تعرض عليها لتتأكد من ضوابطها وأحقية المانح والمالك لها .
الإنسان هويته معتقده
ومما تجدر الإشارة إليه أن ثمة هويات تمثل القاسم المشترك بين بعض الشعوب والمجتمعات ومن أبرز محتوياتها أنها تحدد شروط أنسنة الإنسان وآدميته أي تعني أنها هوية إنسانية حقة لا يتيسر حيازتها على الدخلاء والمتطفلين والمرائين والمتخاذلين والمداهنين فهي ممهورة بمهر وختم الاستحقاق الشرعي تتمحور بمرتكزات أو أساسيات تمثل أبعادها ومفاهيمها ومن بعضها: الحرية والعدالة والكرامة أو ربما من أساسياتها.
الحرية هي التي تعني أن يصبح الإنسان مبرأً من كل قيود أو عبودية من تلك التي تكبل الفرد وتسقطه في أتون العبوديات. ليتفرغ لعبودية الله الواحد الأحد.
وعند ذلك يكون حرًا يحيا حياة آدمية مستقلة لا يستطيع العيش دونها ما أن تغادره تلك الحرية حتى يضيق عليه الخناق ويتعذر عليه شم نسيم الانعتاق والاستقلال .
والعدالة تخلق الاستقرار فيعيش الفرد مستقرا مستقيمًا مطمئنا يتمتع بما يستحق من حقوقه وينتفض على كل ملامح وعتمات الظلم إذ إن الظلم يسبب الاضطراب والاضطراب ينتج التشتت والتشتت يخرج الفرد من إنسانيته وإن أحد أسباب وقوع الظلم إنعدام العدالة.
الكرامة : هي السبيل إلى احترام الذات وهي قرينة عزة النفس ورفعتها ولعلها تقترن بشرف الإنسان وعلو مقامه بالمروءة
فليس للإنسان عيش دون كرامة.
مصاديق الولاء الحقيقي
حين نلحظ أننا نختص بهوية تتضمن بسمات تميزنا ننفرد بها عن سوانا عند ذاك يتطلب منا أن نقدم ما هو مصداق لذلك التميز.. ولعل أيسر وأقل مصاديق الهوية وخصائصها هو الولاء لرسول الله صلى الله عليه وآله ولوصيه وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين فإن معرفة هؤلاء أمارة من أمارات التحلي بالإنسانية
ومن معايير الإنسانية ومصاديق هويتها رفض الظلم ومقاومته وقدح زند العدالة والاستنارة بنور التسامح ونشر الاصلاح وهذا ما أسس له النبي الأكرم محمد ووصيه علي صلى الله عليهما وآلهما . ومن لا يدرك هذا الأمر عليه أن يضع في حسبانه أن لا يدعي الإنتساب لهذا المنهج ويزعم الإقتراب من واضعيه وله أن يراجع ويتأكد من مصداقية إنتمائه للمنهج المحمدي.
المطالبة بالحقوق قاسم مشترك
وإن مقاومة الظلم لا يتحدد بدين أو مذهب أو فئة أو طائفة أو طبقة إنما هي مقياس من مقاييس التحلي بجوهر الإنسانية وضوابطها ومتطلباتها .
وهذا الوصف والمعنى يستلزم إنتهاجه امتلاك ثقافة دينية عقائدية مذهبية منهجية عالية المستوى وكذلك التمسك بثوابت نتجمل بها تميزنا عن سوانا
من آثار وعلامات فقدان الهوية ترديد العبارات التي يرددها الآخرون .. أوكي .. نو .. هاي بالترحيب .. وباي بالوداع ..إز كيوزمي .. فضلا عن استخدام لغات غير لغته لكتابة الإسم أو التوقيع وما شابه ذلك من هذه الاستعارات وهي جدُ كثيرة فهذه مجرد رمزية للتذكير.
وإن الإصرار على التمسك بهذه الإستعارات وما يتعلق بها من قبل فئات أو جماعات فهي يمكن أن تبرز لنا صورة ضياع الهوية وانعدام ثقافة التعاطي مع مبادئنا وقيمنا وأعرافنا وتقاليدنا ومضامين هويتنا.
وقد جاء عن أمير المؤمنين علي صلوات الله عليه أنه قال :
(كُونُوا كَالنَّحْلِ في الطَّيرِ، لَيسَ شَيْءٌ مِنَ الطَّيرِ إلاَّ وَهُوَ يَسْتَضْعِفُهَا، وَلَوْ عَلِمَتْ الطَّيْرُ ما في أَجَوافِهَا مِنَ البَرَكَةِ لَمْ تَفْعَل بِهَا ذَلِكَ.
خَالِطوا النَّاسَ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَأَبْدانِكُمْ، وَزايِلُوهُمْ بِقُلُوبِكُمْ وَأَعمَالِكُمْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا تَرَوْنَ مَا تُحِبَّونَ حَتَّى يَتْفِلَ بَعْضُكُمْ في وُجُوهِ بَعْضٍ، وَحَتَّى يُسَمّي بَعْضَكُمْ بعضاً كَذَّابِينَ، وَحَتَّى لا يَبْقَى مِنْكُمْ ـ أو قالَ مِنْ شِيعَتي إلاّ كَالكُحلِ في العَينِ، والمِلْح في الطَّعامِ ).
نسأل الله ان يعيننا لنقوى على مخالطة الناس بالألسن والأبدان ونزايلهم بالقلوب والأعمال عسى أن نفوز بقبول الموالاة الحقيقية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!