هذه الألعاب الشعبية كانت وراء ارتفاع صدى ضحكات الصغار بين باحات وحدائق المنازل والأزقة وساحات المدارس، ولم تكن مجرد تسلية عابرة، بل طقساً يومياً يعيد تشكيل العلاقات بين الجيران، ويصنع ذاكرة جماعية لجيل كامل كبر على ألعاب عدة، من بينها "الصقلة" و"التوكي" و"سبع حجرات" و"العظم الضايع" و"قفز الحبل" و"الغميضة" و "الدعابل".
تقول سحر كريم (38 سنة)، وهي أم لثلاث بنات: "كنا ننتظر في الصيف العصر بفارغ الصبر، وحين تخف حرارة الشمس نخرج إلى الزقاق ونلعب الصقلة بحصى صغيرة نختارها بعناية، ونمارس التوكي وقفز الحبل، وأحياناً جرّ الحبل إذا اجتمع عدد أكبر".
وتضيف: "كانت اللعبة تبدأ بسيطة وتتحوّل إلى مهرجان صغير من الضحك والتحدي. لم تكن مجرد وقت لتمضية الفراغ، بل مساحة لبناء العلاقات. تعرفت إلى صديقاتي من خلال اللعب. كنا نختلف ونتصالح في اللعبة نفسها. تعلمنا الصبر والانتظار واحترام الدور، وحتى الخسارة كان لها طعم خاص. كنت ألعب مع أخواتي وصديقاتي في الحي، وكنا نشعر بأننا عائلة كبيرة. بناتي اليوم لا يعرفن شيئاً عن هذه الألعاب. حاولت أن أشرح لهن الصقلة فضحكن كأنني أتحدث عن شيء من عصر آخر. اهتمامهن كله بمنصات التواصل الاجتماعي مثل يوتيوب، والمسلسلات الأجنبية، والأنيميشين، وحتى حين يجتمعن مع بنات الحي تجلس كل واحدة منهن وتمسك بهاتفها".
وترى سحر أن "غياب المساحات الجماعية أفقد الأطفال فرصة بناء علاقات حقيقية، فنحن كنا نكبر مع اللعبة، نكوّن صداقات تمتد سنوات. اليوم العلاقات سريعة وهشّة مثل مقاطع قصيرة تُشاهَد وتُنسى".
وبين حنين سحر لألعاب الماضي وواقع بناتها، تظهر فجوة زمنية لا تتعلق فقط بتطور التكنولوجيا، بل بتحوّل شكل الحياة اليومية نفسها، وهو ما تؤكده إيمان جاسم (44 سنة) حين تستعيد صورة حيّها القديم، وتقول: "حين كنت صغيرة، كانت للبنات والصبيان ألعابهم الخاصة، في وقت كنا نتقاسم جميعاً الفضاء نفسه. كان أخوتي يلعبون البلبل حاح، وسبع حجرات، والمطاردات وسباقات الجري، إضافة إلى كرة القدم، أما نحن البنات فكنا ننزوي ونلعب التوكي التي كانت تملأ مربعاتها التي نخططها بطباشير شوارع الأزقة التي كانت تعج بحركات الأطفال وألعابهم، وتراقبهم والأمهات من الأبواب والشبابيك، والضحك يملأ المكان".
وتؤكد أن "هذه الألعاب ساهمت في بناء أجسام قوية. كنا نركض ونقفز ونسقط أحياناً ثم ننهض بسرعة. لم نكن نعرف الكسل، وكانت الحركة جزءاً من يومنا. اليوم أرى أطفالاً في العاشرة يعانون من زيادة في الوزن أو من ضعف في اللياقة. كان النشاط البدني طبيعياً بالنسبة لنا ولا يحتاج إلى اشتراك في نادٍ".
وترى إيمان أن "أهم ما خسرته الأجيال الجديدة هو روح الجماعة، إذ كانت الألعاب تعلمنا التعاون، واحترام القواعد، وتحمّل المسؤولية. كانت تبني صداقات تمتد إلى خارج الحي لأن أطفالاً من أزقة أخرى كانوا يأتون للعب معنا".
ويقود الحديث عن الفوائد الاجتماعية والجسدية إلى زاوية أكثر قسوة، حيث لا يقتصر التحوّل على تغيّر نمط الترفيه، بل يتعداه إلى مشكلات صحية ونفسية ملموسة، فبعض العائلات تعيش تداعيات الانغماس المفرط في الألعاب الإلكترونية بصورة مؤلمة.
ويروي مرتضى عبد الرحمن (49 سنة) تجربته الشخصية بعدما دفع ثمناً باهظاً لما يصفه بأنه "استبدال الساحة بالشاشة"، ويقول: "انشغل ابني الذي يبلغ 20 من العمر حالياً بالألعاب الإلكترونية منذ كان عمره 5 أعوام. وخلال السنوات اللاحقة، أخذت منه هذه الألعاب ساعات طويلة يومياً. في البداية اعتبرنا الأمر تسلية بريئة، ثم ظهرت عليه تدريجياً أعراض قلق وعزلة شديدة، وتراجع في التحصيل الدراسي، وتحدث الأطباء عن تأثير الإدمان الرقمي على صحته النفسية، وأدركنا الخطر بعد فوات الأوان حين لم نعد نستطيع منعه، وحالياً تحسّن من خلال معالج نفسي".
ويتحدث عبد الرحمن أيضاً عن أن ابنته التي تبلغ سن الـ16 عانت من ضعف شديد في النمو وقصر نظر مبكر لأنها كانت تجلس ساعات أمام الكمبيوتر وتهمل الأكل ولا تتحرك، و"أخبرنا الأطباء أن الجلوس الطويل وقلّة التعرض للشمس والحركة أثرا على العظام والنمو".
ويتذكر عبد الرحمن طفولته التي اختلفت كلياً عن تلك لأبنائه، ويقول: "كنا نمارس ألعابنا الشعبية التي انقرضت اليوم. نتسلق الأشجار ونقفز من أماكن مرتفعة نسبياً ونسقط كثيراً ولا نصاب سوى بكدمات بسيطة. كانت أجسامنا قوية، واليوم يعاني أولادي من هشاشة في العظام، بحسب ما يقول الأطباء، بسبب قلّة الحركة والجلوس الطويل أمام الشاشات".
ولا تختلف معاناة عمر شهاب كثيراً عن تلك لمرتضى عبد الرحمن الذي أخذت الألعاب الإلكترونية أطفاله الأربعة إلى "عالم آخر"، بحسب ما يقول: "هم دائماً بيننا بالجسد فقط، لكنهم في الحقيقة في عالم خيالي عبر ألعاب الهواتف النقالة".
وما يندم عليه عمر هو أنه انساق مع أهواء أولاده ووفرّ لهم ما يريدونه من هواتف وأجهزة كمبيوتر، ويقول: "ليتني كنت أكثر صرامة في تحديد أوقات الاستخدام أو منعت عنهم الإنترنت بالقوة. المشكلة الأكبر أن الجيل الحالي لم يعدّ يمارس الألعاب الشعبية التي كانت سائدة سابقاً وتتطلب تشجيع الأطفال للانخراط فيها جماعياً، لذا يجب أن نستسلم لرغبات الجيل الحالي أو نمارس الضغط بالقوة عليهم كي يعودوا إلى الألعاب الشعبية. والحل الأخير إعجازي ويصعب تحقيقه أمام الهجوم الإلكتروني الكاسح".
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!