وتتضمن الخطوات الميدانية البدء بالمفاعلات البحثية والمنظومات “تحت الحرجة” لإعادة بناء الكوادر، مع الاعتماد على الشراكات الدولية (روسيا، فرنسا، كوريا) لتجاوز التحديات التقنية، وضمان أمن الطاقة المستقبلي تحت إشراف دولي كامل.
نووي سلمي
ويقول خبير الطاقة البروفسور علي البكري، إن “المشروع النووي السلمي في العراق يتحرك ضمن بيئة دولية مختلفة جذرياً عما قبل عام 2003، إذ يخضع لإشراف مباشر وكامل من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما تتعزز الشفافية الدولية عبر زيارات رسمية، من بينها زيارة مدير عام الوكالة رافائيل غروسي إلى بغداد عام 2024″، مؤكداً “استعداد الوكالة لدعم العراق في الانتقال نحو الاستخدام السلمي للطاقة النووية”.
قبول دولي
ويبين، أن “عوامل القبول الدولي ترتبط بالتزام العراق بالمعاهدات الدولية واعتماده مستوى عالياً من الشفافية في التعامل مع فرق التفتيش، ما يجعل المشروع مقبولاً دولياً، فيما تبقى المخاوف المحتملة مرتبطة بعوامل الاستقرار الإقليمي أو قضايا التسلح، وليس بطبيعة البرنامج السلمي نفسه”.
كفاءات عراقية
ويشير البكري إلى أن “العراق يمتلك قاعدة علمية وكفاءات في مجالات الهندسة والفيزياء النووية”، لافتاً إلى “وجود أقسام متخصصة في كلية الهندسة بجامعة بغداد/الخوارزمي، فضلاً عن توجهات مشابهة في الجامعة التكنولوجية، إلا أن إنشاء المحطات وتشغيلها يتطلب الاعتماد بشكل كبير على شركات أجنبية، ولا سيما الروسية والفرنسية والكورية، في مراحل التصميم والبناء ونقل التكنولوجيا”.
تحديات تقنية
وينبه البكري إلى أن “التحديات التقنية والبنى التحتية لا تزال كبيرة، إذ يحتاج العراق إلى استكمال منظومات فنية متقدمة، فضلاً عن تطوير المفاعلات البحثية كخطوات أولية”، مردفاً أن “الظروف المناخية، ولا سيما ارتفاع درجات الحرارة، تمثل تحدياً لأنظمة التبريد في المفاعلات التقليدية، فيما تبرز الحاجة إلى برامج تدريب مكثفة لإعادة بناء الكوادر، في ظل فجوة كبيرة نتجت عن توقف البرنامج النووي لعقود”.
طاقة كهرونووية
وفيما يتعلق بالقدرات الإنتاجية، يوضح أن “الخطط الاستراتيجية للفترة من 2023 إلى 2030 تستهدف إنتاج نحو 10 آلاف ميغاواط من الطاقة الكهرونووية، ما يسهم في تقليص جزء كبير من العجز الكهربائي الذي يتجاوز 20 ألف ميغاواط، خاصة مع تراجع الإنتاج نتيجة انخفاض إمدادات الغاز الإيراني بنحو 5 إلى 7 الاف ميغاواط”.
الطاقة الشمسية
ويؤكد خبير الطاقة، أن “الطاقة الشمسية تمثل خياراً مهماً، إذ يتمتع العراق بمعدلات إشعاع شمسي مرتفعة تصل إلى نحو 1200 واط لكل متر مربع، مع خطط لإنتاج نحو 12 ألف ميغاواط، إلى جانب مشاريع قائمة مثل مشروع أرطاوي وشمس كربلاء، إلا أنها تبقى طاقة متقطعة مرتبطة بساعات النهار، في حين توفر الطاقة النووية ما يُعرف بالحمل الأساسي الذي يضمن استقرار الشبكة الكهربائية”.
40 مليار دولار
ويختتم بالقول، إن “الطاقة النووية تعد خياراً استراتيجياً طويل الأمد، رغم كلفتها العالية التي قد تصل إلى 40 مليار دولار، ومدة إنشائها التي تتراوح بين 10 و15 سنة”، منوهاً إلى أنها “ليست حلاً فورياً لأزمة الكهرباء، خصوصاً في فصل الصيف، لكنها تمثل أحد المسارات المستقبلية لتعزيز أمن الطاقة في العراق”.
المنظومة تحت الحرجة
في (24 أيلول 2025) نظمت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بالتعاون مع هيئة الطاقة الذرية العراقية، احتفالية وضع الحجر الأساس لمشروع “المنظومة تحت الحرجة والمختبرات المركزية”، بوصفه اللبنة الأولى لمشروع الطاقة الذرية في العراق، في خطوة تستهدف إعادة بناء البنية العلمية والبحثية المرتبطة بالاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وخلال الاحتفالية، قال وزير التعليم العالي والبحث العلمي ورئيس هيئة الطاقة الذرية السابق نعيم العبودي، إن هذا المشروع يمثل حاضنة علمية وبيئة استراتيجية متكاملة لتطوير وتبني المقاربات البحثية ذات الأثر المباشر في تعزيز جودة البحث العلمي، مشيراً إلى أن المختبرات المركزية صممت على أحدث المعايير الدولية.
وأوضح العبودي في حينها، أن طبيعة هذه المختبرات التي وضع لها الحجر الأساس، أي “المنظومة تحت الحرجة”، جاءت بالتعاون مع هيئة الطاقة الذرية العراقية، والهيئة الوطنية للرقابة النووية والإشعاعية، والوكالة الدولية للطاقة الذرية، إضافة إلى مشاركة خبراء دوليين.
وحينها بين المتحدث باسم وزارة التعليم العالي حيدر العبودي، إن “المنظومة تحت الحرجة” تعد واحدة من أهم المختبرات المركزية في الوزارة، وستعطي زخماً كبيراً للباحثين وطلبة الدراسات العليا العاملين في مجال النشر العالمي، مشيراً إلى أن عدد الأبحاث العلمية المنشورة في المستوعبات بلغ أكثر من 188 ألف بحث علمي تخصصي.
5 مليارات دولار سنوياً
وقال العالم النووي حامد الباهيلي، في وقت سابق، إن مشروع “المنظومة تحت الحرجة” يعني أن المشروع لم يصل بعد إلى الحالة الحرجة التي تحول هذه المنظومة إلى مفاعل نووي.
وأضاف، أن “المنظومة تحت الحرجة” تسهم في إنتاج بذور محسنة ومقاومة للتغيرات المناخية لاستخدامها في تطوير القطاع الزراعي، مؤكداً أنها تمثل الخطوة الأولى لإنشاء المفاعلات النووية، وتسهم في الارتقاء بالدراسات والبحوث العلمية في الجامعات العراقية التي تعطلت عن النشاط النووي بعد صدور قرارات مجلس الأمن الدولية المتعلقة بحظر النشاط النووي في العراق.
وتابع الباهيلي، أن رئيس مجلس الوزراء محمد شياع السوداني شكل في حزيران يونيو من العام الماضي لجنة لإنشاء محطات كهرونووية لتوليد الطاقة الكهربائية بهدف إنتاج الاف الميغاواط من الطاقة، مبيناً أن المحطة الواحدة تنتج ما يعادل 5 آلاف ميغاواط، وتحتاج إلى أكثر من ألف وخمسمئة شخص لتشغيلها.
وأوضح، أن إعداد هؤلاء المشغلين في الخارج يكلف مبالغ مالية طائلة تصل إلى نحو مليون دولار للشخص الواحد، لتشغيل وحدات الطاقة والمفاعلات النووية التي تستخدم للأغراض السلمية.
وبين الباهيلي أن عدم وجود طاقة ذرية في العراق يجعل البلاد تخسر 5 مليارات دولار سنوياً، لأن هذه الطاقة تدخل في المجالات الطبية والزراعية والصناعية والنفطية وغيرها.
كما لفت إلى أهمية إنتاج النظائر المشعة لاستخدامها في المجال الطبي ومعالجة الأورام السرطانية التي تفاقمت نتيجة غياب استخدامات الطاقة الذرية في العراق منذ عام 1991، وعدم وجود نظائر مشعة لمعالجة الأمراض السرطانية.
الذرية الصينية
وفي (1 حزيران 2025) أعلن رئيس هيئة الطاقة الذرية العراقية ووزير التعليم العالي والبحث العلمي السابق نعيم العبودي، قرب التوقيع على اتفاق مرتقب مع مؤسسة الطاقة الذرية الصينية، لوضع حجر الأساس لأول مفاعل تدريبي من نوع “المنظومة تحت الحرجة” في العراق.
وخلال مؤتمر صحفي، قال العبودي إن الاتفاق يمثل مشروعاً تعليمياً يهدف إلى تطوير مهارات الطلبة والباحثين في مجالات الفيزياء النووية والتقنيات الإشعاعية السلمية، مشيراً إلى أن هذا التوجه يأتي ضمن مسار بناء قاعدة علمية وطنية في مجال الاستخدامات السلمية للطاقة النووية.
وأوضح أن الوزارة أقرت خلو ثلاثة مواقع ضمن مجمع التويثة جنوب شرق العاصمة بغداد من أي تلوث إشعاعي، مبيناً أن هذه المواقع خضعت إلى عمليات مسح إشعاعي شامل وفق منهجيات علمية دقيقة وبشراكة وطنية مع المؤسسات ذات العلاقة، وقد أثبتت النتائج خلوها من أي مخلفات إشعاعية قد تشكل تهديداً للصحة العامة.
وأضاف، العبودي أن المواقع المعالجة تشمل مختبرات لاما الفرنسية، ومنشأة إنتاج النظائر المشعة الإيطالية، إضافة إلى مفاعل “تموز 2” البحثي النووي، مؤكداً أن جميع هذه المواقع خضعت إلى عمليات تقييم دقيقة أثبتت جاهزيتها لإعادة الاستخدام ضمن مشاريع علمية سلمية.
وتشير المعطيات إلى أن البرنامج النووي العراقي توقف منذ عام 1991 بعد قرار مجلس الأمن رقم 687، الذي كشف برنامج الأسلحة النووية العراقي وفككه، مع ضمان امتثاله لمعاهدة حظر الانتشار النووي، من خلال فرق الرصد والتفتيش التابعة للأمم المتحدة التي أجرت جولات في المنشات والجامعات العراقية.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!