RSS
2026-05-12 13:01:55

ابحث في الموقع

عادت المياه وعاد الأمل: هل تنجو الأهوار من "قصر نظر" الإدارة المائية؟

عادت المياه وعاد الأمل: هل تنجو الأهوار من "قصر نظر" الإدارة المائية؟
لا تبدو عودة المياه إلى أهوار جنوب العراق مجرد تحسن بيئي عابر، بقدر ما تعكس حكاية أعمق تختزنها هذه الجغرافيا التي وثّقها فيلم صحيفة لوريان لو جور، حيث تتقاطع الصور مع التاريخ والذاكرة، وترصد الكاميرا عودة القصب والطيور في مشاهد تذكر بقدم وعراقة هذه المستنقعات المائية النادرة.

وأنتجت صحيفة لوريان لو جور، فيلماً وثائقياً قصيراً ومؤثراً يوثق عودة الحياة إلى نحو 80 بالمئة من أهوار جنوب العراق بعد هطول الأمطار، ويسلط الضوء على “قصر نظر الإدارة” وتأثير التغير المناخي والسياسة على هذا الإرث العالمي.

وفيما يؤكد مختصون أن انتعاش الأهوار، المدفوع بالأمطار والإطلاقات المائية، قد يبعد شبح الجفاف مؤقتاً، لكنه يبقى هشاً أمام تحديات التبخر وغياب إدارة مائية مستدامة. وبين مؤشرات التعافي والتحذيرات، تظل الأهوار معلّقة بين قدرة الطبيعة على النهوض، وعجز السياسات عن حمايتها.

وفرة بعد جفاف

ويقول رئيس منظمة الجبايش للسياحة البيئية في ذي قار رعد الأسدي، إن “الأهوار كانت في السنوات الماضية تعاني من جفاف شبه تام وصل إلى نحو 100 بالمئة، إلا أن الوضع حالياً يشهد تحسناً نسبياً نتيجة الأمطار وزيادة الإطلاقات المائية خلال الفترة الأخيرة”.

ويضيف، أن “توقيت هذه الإطلاقات يُعد مناسباً جداً، لا سيما أنه يتزامن مع الفترة التي كانت تشهد عادة بداية موسم الجفاف في مثل هذا الوقت من كل عام، إلا أن الوضع هذا العام مختلف، حيث دخلنا شهري نيسان وأيار مع توفر مائي أفضل من السابق”.

زيادة الخزين المائي

ويشير الأسدي إلى أن “هناك آمالاً بزيادة أكبر في الإطلاقات المائية، خاصة مع تسجيل أمطار متأخرة أسهمت في دعم الواقع المائي، إلى جانب ارتفاع الخزين المائي في العراق إلى مستويات جيدة، إذ تجاوز 22 ألف مليار متر مكعب، وهو ما يمثل مؤشراً إيجابياً لإمكانية دعم الأهوار مستقبلاً”.

وعمّا إذا ما أصبحت الأهوار آمنة من الجفاف، يبين الناشط البيئي أن “استمرار الأهوار وبقاؤها يعتمد بشكل أساسي على حجم الإطلاقات المائية المتجهة نحوها”، داعياً الحكومة إلى “تخصيص حصة مائية ثابتة للأهوار ضمن الخطط المائية، لضمان ديمومة هذا النظام البيئي الفريد”.

السياحة في الأهوار

وفيما يتعلق بالواقع السياحي، يوضح الأسدي أن “الموسم المطري الحالي جاء في نهاية الفترة المعتادة للسياحة، ورغم ذلك فإن تحسن المياه والأمطار انعكس بشكل إيجابي نسبي على الأهوار”، معرباً عن أمله بأن “يشهد الموسم السياحي المقبل تحسناً أكبر، مدفوعاً باستمرار الإطلاقات المائية وتحسن نوعية المياه”.

ويختتم بالقول، إن “وضع الأهوار هذا العام أفضل بشكل واضح مقارنة بالعام الماضي، إلا أن الحفاظ على هذا التحسن يتطلب استمرار الدعم المائي، بما يسهم في إعادة الحياة الطبيعية إلى المنطقة وضمان استدامتها بيئياً وسياحياً”.

وأكدت وزارة الموارد المائية، الثلاثاء (5 أيار)، ارتفاع مناسيب المياه في أهوار محافظة ذي قار وإغمار مساحات من الأراضي اليابسة فيها نتيجة زيادة الاطلاقات المائية بسبب الوفرة المائية جراء موجة الأمطار الأخيرة.

كما أعلن مدير الموارد المائية في ذي قار هاشم الأسدي، أن الاطلاقات المائية ستستمر باتجاه الأهوار حيث تم تكثيف جهود كوادر مديرية الموارد المائية هناك لمتابعة هذه التصاريف وتوجيهها باتجاه الأهوار من خلال منافذ أيمن الفرات ومنافذ أيسر الفرات باتجاه الأهوار الوسطى.

عودة الطيور والزواحف

ومن ميسان، يؤكد الناشط البيئي أحمد صالح، أن “الأهوار العراقية بدأت تستعيد عافيتها بشكل واضح، مع تسجيل انتعاش ملحوظ في النشاط السياحي، حيث عادت الرحلات السياحية تدريجياً، بالتزامن مع تحسن الواقع المائي في المنطقة”.

ويضيف صالح، أن “النظام البيئي في الأهوار يشهد عودة تدريجية لمكوناته الحيوية، إذ بدأت الأسماك والطيور والزواحف بالظهور مجدداً في المسطحات المائية، وهو ما يعكس مؤشراً إيجابياً على تعافي النظام البايولوجي”، لافتاً إلى أن “هذه المؤشرات قد تمهد لسنوات قادمة أكثر استقراراً من الناحية البيئية”.

إطلاقات وسيول

ويرى الناشط البيئي أن “الموجات المطرية الأخيرة التي شهدها العراق، رغم تأخرها، كانت وفيرة وأسهمت في تعزيز الخزين المائي”، مبيناً أن “العراق تمكن من خزن أكثر من 20 مليار متر مكعب من المياه، ما يمنح مرونة أكبر في إدارة الملف البيئي والمائي خلال العامين المقبلين”.

ويتابع، أن “الإطلاقات المائية ما زالت مستمرة وبمستويات جيدة حتى الآن، إلى جانب السيول الكبيرة القادمة من الجهة الشرقية والجنوبية، والتي أسهمت بشكل مباشر في تغذية الأهوار وتحسين واقعها”.

ويخلص صالح إلى أن “المعطيات الحالية تسمح بالقول إن خطر جفاف الأهوار قد تراجع بشكل كبير، وأن البلاد باتت في وضع أكثر أماناً مائياً لفترة قد تمتد إلى موسمين مقبلين أو أقل بقليل”، مشدداً على أهمية استمرار هذا الزخم المائي للحفاظ على التعافي البيئي الحاصل.

وقال المتحدث باسم الهيئة العامة للأنواء الجوية عامر الجابري، إن “الطقس بطبيعته متغير، وسقوط الأمطار خلال هذه الفترة يُعد أمراً طبيعياً، وقد لا يتكرر سنوياً بالشكل ذاته، لكنه يبقى وارداً ضمن الأنماط المناخية المتقلبة التي تشهدها المنطقة”.

رئة العراق البيئية

لكن من جهته، يرى الخبير المائي تحسين الموسوي، أن “الأهوار تمثل رئة العراق البيئية، إلا أن الواقع الحالي يشير إلى أن نسب الإغمار ما تزال محدودة، ولم تتجاوز النسبة المطلوبة، إذ يفترض أن تستوعب الأهوار ما بين 15 إلى 20 مليار متر مكعب من المياه، وهذا رقم بعيد عما موجود حالياً”.

ويضيف، أن “الحديث عن إغمار الأهوار غالباً ما يتركز على مساحات محدودة لا تتجاوز خمسة آلاف كيلومتر مربع، وهو ما يعكس فجوة كبيرة بين الطاقة الاستيعابية للأهوار والواقع الفعلي”، مشيراً إلى أن “العراق ما يزال يفتقر إلى اتفاقات واضحة مع دول المنبع لتحديد حصصه المائية، الأمر الذي يعرقل وضع استراتيجيات طويلة الأمد لإدارة الموارد المائية”.

تحديات التبخر

ويشير الموسوي إلى أن “الملف المائي لا يقتصر على الأهوار فقط، بل يشمل مياه الشرب والزراعة، في ظل تحديات متزايدة”، لافتاً إلى أن “ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف، والتي قد تصل إلى 50 درجة مئوية، يؤدي إلى فقدان كميات كبيرة من المياه بسبب التبخر، قد تصل في بعض المواسم إلى أكثر من 5 مليارات متر مكعب، وهو رقم كبير ومؤثر”.

ويبين، أن “هذا الفاقد يعود إلى طبيعة المشاريع المائية المفتوحة في العراق، فضلاً عن عدم وجود إطلاقات مائية كافية لتعويض النقص الناتج عن التبخر”، مؤكداً أن “إدارة الموارد المائية تواجه تحديات معقدة تتطلب معالجات جذرية”.

حملات حكومية وتطوعية

ويؤكد الموسوي، أن “ملف المياه في العراق بحاجة إلى جهد وطني واسع، يتضمن حملات توعية وإرشاد، إلى جانب معالجة مشاكل التلوث وفقدان التنوع الإحيائي، فضلاً عن الحد من التجاوزات على الأنهار والأراضي الزراعية”.

ويختتم بالقول، إن “السياسات الزراعية الحالية بحاجة إلى مراجعة شاملة، في ظل الاستنزاف الكبير للمياه عبر أساليب الري المفتوح، ما يعمّق الأزمة المائية ويزيد من تعقيداتها في المستقبل”.

وأعلنت وزارة الموارد المائية، في وقت سابق، عن تسجيل تحسن ملحوظ في الخزين المائي داخل السدود والخزانات عقب موجة الأمطار الأخيرة، مؤكدة أهمية هذا الخزين في دعم الموسمين الصيفي والشتوي القادمين.

وقال الوزير عون ذياب عبدالله، أن كميات الأمطار الأخيرة أسهمت في تعزيز المخزون المائي، لافتاً إلى أن التوقعات الجوية تشير إلى احتمال هطول أمطار غزيرة.



المصدر: العالم الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!