اللافت جدا، أن جغرافيا مياه الفيضانات العنيفة لنهري دجلة والفرات شكلت القالب الاساسي لصانع القرار السياسي ومحددا للأمن القومي الأول في تاريخ وادي الرافدين، حيث كانت "الدورة الهيدرولوجية" او ما يعرف بعلم المياه المحرك الأساسي لنشوء الممالك، والمسمار الأخير في نعش أقوى الإمبراطوريات والخلافات وصولاً إلى العصر الحديث، ما يعني ان لعنة الجغرافيا رسمت التحدي المائي خطوط النهاية للأنظمة السياسية المتتابعة على أرض الرافدين، او "طوفان الجغرافيا"، اذ تميزت جغرافيا المياه او البيئة النهرية للعراق بطبيعة فريدة؛ فبخلاف نهر النيل في مصر الذي يتسم بفيضان منتظم وهادئ، يتدفق دجلة والفرات بفيضانات ربيعية مفاجئة، عنيفة، وغير متوقعة ناتجة عن ذوبان ثلوج جبال الأناضول. هذا "التهديد الوجودي" فرض مفهوم الاستجابة الصارمة، فكان السعي للسيطرة على المياه يلد دولة مركزية قوية، وفي المقابل كان أي تراخٍ إداري أو اضطراب مناخي يعجل بسقوط الممالك والقبضات السياسية الحاكمة.
تحديدا في العراق، تداخل الأمن المائي مع بقاء الدول في حقبة فجر الحضاري، وشكل الفيضان أداة فناء بيئية وعسكرية، ابتداءً من الحضارة السومرية (انهيار التربة وتغير المجاري)، حيث قادت الفيضانات العنيفة المتكررة إلى رفع منسوب المياه الجوفية في السهل الرسوبي الجنوبي. ومع الارتفاع الشديد في درجات الحرارة والتبخر، تراكمت الملوحة في التربة بشكل سرطاني عجزت معه الإدارة السومرية عن زراعة القمح. هذا الانهيار الاقتصادي، بالتزامن مع فيضانات غيّرت المجاري الطبيعية للأنهار وجففت قنوات مدن كبرى مثل "أور"، فكك الرابطة السياسية للمدن السومرية وسهل سقوطها أمام العيلاميين، يعد المؤشر الاهم على ارتباط الامن القومي بجغرافيا المياه.. أما في الحضارة الأكدية (فوضى المناخ ونزوح الشمال)، فقد شهدت أواخر عهد الإمبراطورية الأكدية اضطرابات بيئية عنيفة؛ تمثلت في فيضانات ربيعية جارفة حطمت البنية الإروائية في الشمال، تلاها جفاف حاد ممتد ومتواصل، أدى عبره دمار المحاصيل إلى موجات نزوح ديموغرافية ضخمة نحو المدن المركزية، مما فجر فوضى اجتماعية واقتصادية استغلتها قبائل "الكيوتيين" الجبلية لاجتياح الإمبراطورية وإسقاطها.. كذلك في الحضارة البابلية الأولى (تداعي الأسوار المعزولة)، اللافت انه شيد البابليون تحصينات عاصمتهم من اللبن (الطين المطبوخ)، تسببت موجات الفيضان الاستثنائية للفرات في خلخلة ركائز أسوار بابل، وحولت محيطها الزراعي إلى مستنقعات معزولة قطعت خطوط الإمداد العسكري، مما جعل المدينة لقمة سائغة أمام الاغارات عام 1595 ق.م.
آخرها آشور، (طوفان نينوى العسكري 612 ق.م)، الذي يمثل سقوط الإمبراطورية الآشورية، النموذج الأبرز لتوظيف الفيضان عسكرياً؛ فعندما استعصت أسوار نينوى على التحالف (الكلداني - الميدي)، استغل الغزاة فيضاناً ربيعياً هائلاً لنهر "الخوصر" (رافد دجلة المار بالمدينة)، وقاموا بتحوير مجراه ليصطدم مباشرة بالأسوار الطينية، ادى الى انهيار السور الشرقي تحت ضغط المياه، لتندفع الجيوش الغازية عبر الثغرة المائية معلنةً سقوط آشور إلى الأبد.
أمويا، ما بين الاعوام 41 - 132 للهجرة، وبينما كانت التحديات العسكرية والسياسية هي الواجهة البارزة لسقوط الدولة الأموية عام 132 للهجرة، كانت الكوارث المائية في العراق تضرب عصب الاقتصاد الأموي في الخفاء؛ لتشكل "البطائح العظمى" (فيضانات 74 هـ و81 هـ): شهد عهد عبد الملك بن مروان وولاية الحجاج بن يوسف على العراق فيضانات عارمة أدت إلى انخراق السدود المسمى آنذاك (البثوق)، حيث غمرت المياه أخصب أراضي "السواد" بين الكوفة والبصرة، فتحولت ملايين الدونمات إلى مستنقعات مائية واسعة عُرفت بـ "البطائح"، وخرجت عن الخدمة الزراعية تماماً، مما خلق أزمة في جباية الخراج وعجز الخزينة، كانت أرض السواد هي المورد المالي الأكبر لبيت مال المسلمين. أدى هبوط إيرادات الخراج الناجم عن الفيضانات إلى عجز الدولة في عقودها الأخيرة عن دفع رواتب الجند بانتظام وتغطية نفقات الحروب. تلا ذلك فيضانات أواخر العهد (مثل فيضان الكوفة 110 هـ و126 هـ)، حيث انشغل الخلفاء بالصراعات الداخلية، حينها أُهملت الصيانة، مما دفع بآلاف الفلاحين النازحين نحو المدن الكبرى ليشكلوا كتلة بشرية ناقمة غاضبة، مثلت حاضنة شعبية مثالية للدعوة العباسية التي استغلت انهيار المنظومة المائية لتعلن زوال شرعية بني أمية.
عباسيا، ما بين الاعوام 132 - 656 للهجرة، عُرفت تلك الحقبة بتآكل الأسوار وتكتيك الإغراق المغولي، اذ لم يكن سقوط بغداد عام 1258م (656 هـ) مجرد انكسار عسكري أمام هولاكو، بل سبقه تآكل هيدرولوجي واقتصادي مهد للجريمة، وكان هذا الفيضان عام 654 هـ (الضربة الوجودية للتحصينات)، وقتها وقبل الغزو المغولي بسنتين فقط، ضرب بغداد فيضان دجلة الأعنف في تاريخها المتأخر، مما أدى لغرق جانب الكرخ وتهدم أجزاء واسعة من الأسوار الدفاعية الشرقية والغربية وتداعي أبراجها، وبسبب عجز الخزينة العباسية المفلسة عن الترميم، وصل المغول ليجدوا أسوار بغداد مهلهلة ومخترقة بيئياً، وتحديدا في معركة الدجيل (سلاح الفيضان الاصطناعي) كما عُرف بتلك الحقبة، حين خرج جيش الخلافة لمواجهة المغول شمال بغداد، استخدم القائد المغولي "بايجو نويان" جغرافيا النهر لصالحه؛ حيث قام ليلاً بقطع سدود دجلة المرتفعة وفتح البثوق خلف الجيش العباسي. تدفقت المياه بغزارة محولةً ميدان المعركة إلى وحل مستنقعي عميق، مما أدى لغرق وفناء معظم جيش الخلافة وفتح الطريق المُيسّر لهولاكو.
وفي حقبة هامة، حقبة (الصفويين والعثمانيين) في القرن 14 للميلاد، التي لها علاقة بباكورة العصر الحديث، تحول العراق إلى ساحة حرب بالوكالة، واعتمد الطرفان على "هندسة الإغراق" لفرض السيادة، تمثل ابتداءً بالنفوذ الصفوي لكسر الحصارات النهرية، خلال حصار الشاه عباس الصفوي لبغداد عام 1623م، استغل الصفويون فيضان دجلة لخلخلة الدفاعات العثمانية عبر قطع السدود الفرعية لإغراق خنادق الحامية العثمانية وقتها، وتكرر التكتيك مع "نادر شاه" عام 1733م الذي قطع خطوط الإمداد المائي والزراعي عن بغداد مستغلاً مناسيب المياه لفرض مجاعة قاسية داخل المدينة.
أما النفوذ العثماني في الحقبة المعروفة بعنوان "البثوق الساخرة وتركيع العشائر"، فقد استخدم الولاة العثمانيون الفيضانات كأداة أمنية داخلية؛ فإزاء تمردات عشائر الفرات الأوسط والجنوب "المنتفج وبني لام"، كان العثمانيون يفتحون "البثوق" عمداً لإغراق قري ومحاصيل العشائر لإجبارهم على الإذعان ودفع الضرائب، كما فرضوا نظام "السخرة" الاجباري المجحف على الفلاحين العراقيين لبناء السدود لحماية مراكز المدن حيث تتحصن القوات العثمانية، وعندما أراد العثمانيون إنهاء حكم المماليك المحليين في بغداد، تركوا المدينة تغرق في فيضان 1831م الكارثي الذي تلا الطاعون، لإضعاف الجبهة الداخلية، مما سهل دخول جيش "علي رضا باشا" وإعادة السيطرة المباشرة لإسطنبول.
القرن العشرون، حقبة الملكية في العراق، تجسدت ذروة التفاعل بين الفيضانات والسياسة الحديثة في فيضان بغداد الموصوف بالكارثي ربيع عام 1954، والذي لعب دوراً مزدوجاً ومتناقضاً في صياغة نهاية الملكية، إذ هدد الفيضان بابتلاع العاصمة بالكامل، فنزل الملك الشاب فيصل الثاني والوصي عبد الإله إلى السدود الترابية لملء أكياس الرمل مع الجنود، وقتها نجحت الحكومة (برئاسة فاضل الجمالي) عبر جهد هندسي وعسكري مضنٍ في تحويل المياه نحو منخفض الحبّانية، مما أنقذ الرصافة ومنح النظام صك غفران سياسي مؤقت، في المقابل، غرق جانب الكرخ من العاصمة وضواحي بغداد الشرقية، وتشرد مئات الآلاف من الفقراء والكادحين في مخيمات بائسة.
استغلت الحركات اليسارية المعارضة المشهد، ووجهت اتهامات أخلاقية للنظام بأنه "ضحى بأراضي الفقراء ومزارعهم عبر كسر السدود فيها لحماية الأحياء الراقية، والقصور الملكية، والمنشآت النفطية".
إذ كانت الفجوة الطبقية والنقمة الاجتماعية والسياسية قد تغلغلت في صفوف "الضباط الأحرار" والفئات المسحوقة، لينفجر هذا الاحتقان في إنقلاب 14 تموز 1958 التي أطاحت بالنظام الملكي، بعد أن شيد الأخير المنظومة المائية التي حمت العراق الحديث من أهوال الطوفان لعقود تلت سقوطه.
لطالما سجل الطوفان نهاية حقبة حكم مختلفة بين الامبراطوريات والخلافة والممالك والدول، وعدّت الفيضانات السبب الرئيس الذي شكل تداعيات انهاء السلطة، على العكس تماما من الجغرافيا النظيرة للعراق في مصر والتي كانت فيضاناتها منظمة وهادئة، لم تشكل خطرا على الامن القومي المصري، مع الاخذ بنظر الاعتبار ان كلا الدولتين عبارة عن وادٍ منخفض، وكلا الحضارتين قامتا على اساس المياه، وبعد الفيضان الاخير منتصف القرن العشرين عصف بالعراق تحدٍ مغاير تماما، اذ انتقل من الوفرة الفائقة للمياه الى الجفاف والتصحر والذي ظهرت مخاطره على الامن القومي العراقي تباعا، وبات يشكل احد اكبر المهددات على امن العراق
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!