RSS
2026-06-24 17:06:32

ابحث في الموقع

عاشُورْاءُ.. السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة - أُسُسٌ عاشُورائيَّةٌ إِستراتيجيَّةٌ

عاشُورْاءُ.. السَّنَةُ الثَّالِثةَ عشَرَة - أُسُسٌ عاشُورائيَّةٌ إِستراتيجيَّةٌ
بقلم: نزار حيدر

حتَّى لا ننشغِلَ في متاهاتٍ وجِدالاتٍ لها أَوَّل وليسَ لها آخِر ونحنُ نبحثُ ونحقِّقُ في عاشوراءَ سعياً لاكتشافِ حقائقِها وجوهرِها، فإِنَّها اعتمدَت على أَهمِّ رُكنَينِ في الفَهمِ والوَعي هما الأَصلُ في كُلِّ مَوقفٍ تاريخيٍّ رساليٍّ لمَن أَرادَ أَن يتعلَّمَ منها ويهتدي بكربلاء:

  أ/ لا تتبنَّى رأياً فتخوضُ في قرارٍ إِلَّا بعدَ أَن تدرسهُ جيِّداً حدَّ القناعةِ واليقينِ لتتحمَّلَ مسؤُوليَّتهُ في كُلِّ الظُّروفِ ومهما كانت النَّتائِج وأَن لا تندمَ عليهِ أَبداً.

  يقُولُ أَميرُ المُؤمنِينَ (ع) يُعلِّمُنا دراسةَ الأَمرِ جيِّداً قبلَ اتِّخاذِ القرارِ النِّهائي والشُّروعِ بالتَّنفيذِ ليكُونَ المرءُ عن ثِقةٍ وإِيمانٍ ووعيٍ ويقينٍ {ولَقَدْ ضَرَبْتُ أَنْفَ هَذَا الأَمْرِ وعَيْنَهُ وقَلَّبْتُ ظَهْرَهُ وبَطْنَهُ فَلَمْ أَرَ لِي فِيهِ إِلَّا الْقِتَالَ أَوِ الْكُفْرَ بِمَا جَاءَ مُحَمَّدٌ (ص) إِنَّه قَدْ كَانَ عَلَى الأُمَّةِ وَالٍ أَحْدَثَ أَحْدَاثاً وأَوْجَدَ النَّاسَ مَقَالًا فَقَالُوا ثُمَّ نَقَمُوا فَغَيَّرُوا}.

  وفي هذهِ الحالةِ فأَنت لستَ مُضطرّاً لتبريرِ قرارِكَ أَو السَّعي لإِرضاءِ أَحدٍ إِذ عليكَ أَن تدَعَ إِنجازَكَ ونجاحَك هوَ الذي يقنعهُم بهِ إِن عاجِلاً أَم آجِلاً!.

  والموقفُ بمثلِ هذهِ الحالاتِ سيُرسِّخُ في ذهنِكَ الثِّقةَ واليقينَ وبالتَّالي سيخلُقُ في عقلِكَ ونفسِكَ وروحِكَ ومشاعرِكَ الإِستعدادَ اللَّازم والكامِلِ للدِّفاعِ عنهُ وتحمُّلِ مسؤُوليتهِ إِلى النِّهاية.

  إِنَّ واحِدةً من أَعظمِ خِصالِ أَميرِ المُؤمنِينَ (ع) هي الشَّجاعةُ كما نعرِفُ لكنَّ الذي نعرِفهُ هي شجاعتهُ في سوحِ المعاركِ والحرُوبِ فقط! أَبداً فمِن تجلِّياتِ شجاعتِهِ (ع) تحمُّلهُ المسؤُوليَّة مهما كانت العَواقِب وهذا دليلٌ قاطِعٌ على ثقتهِ بنفسهِ ويقينهِ بقراراتِهِ وهوَ القائِلُ {لَو كُشِفَ لِيَ الغًطاءُ ما ازدَدتُ يقيناً} أَمَّا الجَبانُ فيبحثُ دائماً عن كبشِ فداءٍ ليعصُبَ في رقبتهِ حبلَ المسؤُوليَّة ويهرب! {وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا}.

  يقولُ (ع) {فَإِنْ أَبَيْتُمْ إِلَّا أَنْ تَزْعُمُوا أَنِّي أَخْطَأْتُ وضَلَلْتُ فَلِمَ تُضَلِّلُونَ عَامَّةَ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ (ص) بِضَلَالِي وتَأْخُذُونَهُمْ بِخَطَئِي وتُكَفِّرُونَهُمْ بِذُنُوبِي! سُيُوفُكُمْ عَلَى عَوَاتِقِكُمْ تَضَعُونَهَا مَوَاضِعَ الْبُرْءِ والسُّقْمِ وتَخْلِطُونَ مَنْ أَذْنَبَ بِمَنْ لَمْ يُذْنِبْ}.

  أَمَّا المَوقف والرَّأي الذي يُفرَضُ عليكَ قهراً ولم تقتنِعَ بهِ حدَّ الثِّقةِ واليقينِ فستتنصَّلَ منهُ وتبيعهُ بشَروى نقيرٍ في أَوَّل فُرصةٍ وستنقلبَ عليهِ في اللَّحظةِ السَّانِحةِ التي تتغيَّر فيها الظُّروفِ! أَو سيصنعُ مِنكَ مُنافِقاً مُزدوَج الشَّخصيَّة! ولذلكَ رفضَ المُشرِّعُ أَن يُفرضَ الإِيمانُ تحتَ حدِّ السَّيفِ بقَولهِ {لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} وقَولهُ {فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ* لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ} و {وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّىٰ يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ} و {قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمْ لَهَا كَارِهُونَ}.

  وهذا المنهجُ القُرآني هو المنهجُ العلويِّ والحُسينيِّ الذي انتهجهُ أَئمةُ الحقِّ أَئمَّةُ أَهل البَيتِ (ع).

  فمنذُ اتِّخاذهِ قرارَ رَفضِ البَيعةَ للطَّاغِيةِ يزيد وهوَ في مدينةِ جدِّهِ رسُول الله (ص) لَم يُجبِر الحُسين السِّبط (ع) أَحداً على تبنِّي مَوقفِهِ هذا أَو هدَّدهُ إِذا لم يلتحِق بركبهِ، أَبداً.

  حتَّى الهاشمييِّنَ لم يفرُض (ع) عليهِم قرارهُ ففي مُؤتمرِ [مِنى] الذي حضرهُ قُرابةَ أَلفِ هاشميٍّ لم يُخاطِبهُم الإِمام (ع) بأَكثرِ مِن قَولهِ لهُم {مَن لحِقَ بِنا استُشهِدَ ومَن تخلَّفَ لَم يبلُغ الفَتح} وهي جُملَةٌ لخَّصت المَوقِف بكُلِّ جوانبهِ، مُبتدأَهُ ومُبتغاهُ ونِهايتهُ، والهدفُ مِنَ الكلامِ كانَ التَّبصِرةَ فحَسب.

  وأَكثَر من هذا فهوَ لم يأخُذ زِمامَ المُبادرَةِ فيكتُبَ للأَمصارِ، ومنها الكُوفة، وإِنَّما هي التي بادرَت للكتابةِ إِليهِ ودعوتهِ للمجيءِ بقَولهِم [أَن اقدِم].

  وإِلى آخرِ لحظةٍ في يَومِ علشوراء قبلَ أَن يقعَ السَّيفُ وعلى طُولِ الطَّريقِ من لحظةِ وصُولِ خبرِ استشهادِ سفيرِهِ إِلى الكوفةِ مُسلم بن عقيلٍ (ع) ظلَّ الإِمامُ يُخيِّرُ مَن التحقَ بهِ بينَ البقاءِ أَو تركِ ركبهِ، بمَن فيهِم أَهلِ بيتهِ من الهاشمييِّنَ والعلوييِّنَ!

  لقد تبنَّى الحُسين السِّبط (ع) في كربلاء والتزمَ بقرارٍ اتَّخذهُ بكُلِّ ثقةٍ ويقينٍ هوَ وأَهلِ بيتهِ وأَصحابهِ ولذلكَ لم بتردَّد فيهِ أَحدٌ ولم يتبرَّأَ منهُ أَحدٌ ولم يندَم عليهِ أَحدٌ ولم يهرَب منهُ أَحدٌ على الرَّغمِ من وجودِ طرُقِ الهربِ والتَّراجعِ والإِعتذارِ وقتَها عندَ كُلِّ واحدٍ من شُهداءِ كربلاء، إِذ كانَت مُتاحةً أَمامَ الجميعِ إِلَّا أَنَّ الثِّقةَ واليقينَ عندهُم كانتا أَكبر مِن أَن يخطرَ في بالهِم عكسَ الإِيمان الإِلتزام والدِّفاع والتَّضحيةِ عن القرارِ الذي اتَّخذوهُ ببصيرةٍ ووعيٍ.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
كلمات مفتاحية
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!