RSS
2026-07-21 15:51:11

ابحث في الموقع

الزيدي بين حقيبة الاستثمار وفوهة البندقية

الزيدي بين حقيبة الاستثمار وفوهة البندقية
بقلم: رمزي ميركاني

لم تكن زيارة رئيس الوزراء العراقي، علي الزيدي، إلى واشنطن مجرد محطة دبلوماسية بروتوكولية، بل جاءت كاختبار سياسي عسير في توقيت إقليمي شديد الحساسية. فمع استلام الزيدي مهامه في مايو/أيار 2026، وجد نفسه أمام إرث ثقيل من الصراعات الإقليمية، وتوتر متصاعد بين واشنطن وطهران، وأزمة طاقة عالمية ألقت بظلالها على مضيق هرمز، الشريان الأبهر للاقتصاد العراقي.

حمل الزيدي معه إلى البيت الأبيض رؤية طموحة، حاول تسويقها قبل وصوله عبر مقال في “واشنطن بوست”، مفادها أن العراق يريد مغادرة مربع إدارة الأزمات الأمنية إلى فضاء الفرص الاقتصادية. إن مرافقة وفد ضخم يضم 27 وزيراً ومسؤولاً رفيعاً، بينهم أقطاب الاقتصاد والطاقة، تعكس رغبة بغداد في تحويل العلاقة مع واشنطن من تبعية أمنية إلى شراكة استثمارية. الهدف هنا ليس فقط جلب الشركات الأمريكية، بل بناء دولة يفخر بها العراقيون، دولة تمتلك سيادتها المالية وتتحرر من قيود الاعتماد الكلي على الغاز المستورد أو المساعدات العسكرية.

في قلب المحادثات مع الرئيس دونالد ترامب، برز دور العراق كـ “وسيط محتمل” وضامن لتسوية مرتقبة بين واشنطن وطهران. واشنطن، التي تبدي رغبة في تهدئة الجبهات لضمان أمن الطاقة، ترى في العراق ساحة اختبار لقدرتها على الوصول إلى تفاهمات مع إيران بضمانات بغداد. غير أن هذا الدور يصطدم بتعقيدات الداخل العراقي؛ فنجاح الزيدي في خفض التوتر الإقليمي يعتمد بشكل جذري على نجاحه في تصفير المشاكل الداخلية، وتحديداً ملف الفصائل المسلحة. فالتزام الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة هو العملة التي يقايض بها واشنطن للحصول على استثمارات وتسهيلات مالية.

لا يمكن قراءة الزيارة بمعزل عن الضغوط المالية. فالبنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، الذي يضم عائدات النفط العراقي، يمثل الورقة الرابحة لواشنطن. وقد ظهر ذلك جلياً في الأزمات السابقة المتعلقة بتقييد شحنات الدولار للضغط على بغداد لكبح غسيل الأموال وتهريب العملة. سعى الزيدي من خلال لقاءاته مع المسؤولين الماليين إلى تأمين استقرار الدينار وضمان تدفق السيولة، خاصة في ظل أزمة مضيق هرمز التي عرقلت تصدير نحو 90% من نفط العراق. هنا تبرز أهمية الاتفاقات التي نُوقشت لتطوير منافذ تصدير بديلة واستقدام تكنولوجيا أمريكية لاستغلال الغاز المصاحب، مما ينهي التبعية الطاقوية لإيران، وهو مطلب أمريكي إستراتيجي بامتياز.

واجه الزيدي في البيت الأبيض إدارة ترامبية براغماتية إلى أقصى الحدود. وبينما عبّر ترامب عن حبه للعراق مع رئيس الوزراء الجديد، فإن هذا الود يظل محكوماً بمدى قدرة بغداد على حماية المصالح الأمريكية ومنع استخدام أراضيها كمنطلق للهجمات. إن ملامح السياسة الأمريكية تجاه العراق في 2026 لا تزال تتسم بالضبابية، حيث تربط واشنطن توسيع الاستثمارات بتوفير بيئة أمنية مستقرة تماماً.

إن نجاح العراق في خفض التوتر الإقليمي بعد هذه الزيارة ليس رهناً بالنوايا الطيبة فحسب، بل بقدرة حكومة الزيدي على تحقيق توازن مجهري بين ضغط واشنطن المالي والأمني، ونفوذ طهران الجيوسياسي. الزيارة قد تكون نقطة تحول إذا نجحت بغداد في ترجمة اتفاقية الإطار الإستراتيجي إلى واقع اقتصادي ملموس يلمسه المواطن العراقي. 

في الختام، يخرج العراق من واشنطن بفرصة مشروطة؛ فإما أن يتحول إلى جسر حقيقي للسلام والاستثمار في المنطقة، أو يظل ساحة لتصفية الحسابات. لكن المؤشرات الأولية، من خلال تركيبة الوفد ولغة الخطاب، توحي بأن بغداد قررت هذه المرة أن تخوض معركتها بـ “حقيبة الاستثمار” لا بـ “فوهة البندقية”، وهو مسار، وإن كان شائكاً، يمثل الأمل الوحيد لاستقرار العراق ومحيطه الإقليمي في ظل نظام دولي لا يعترف إلا بالقوة الاقتصادية والمصالح المشتركة.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!