في خبايا أروقة القضاء العراقي وأوساط الرأي العام، ظل اسم عدنان الجميلي يتردد كأحد أبرز الرموز المثيرة للجدل في قضايا الفساد المالي والإداري وتجاوز حدود الوظيفة العامة. وبينما يراه البعض فاعلاً أساسياً امتلك أدوات النفوذ والتأثير للإثراء غير المشروع وتبديد المال العام، يطرح المتابع للشأن القانوني تساؤلات أكثر عمقاً وجوهرية: هل كان الرجل بالفعل هو المخطط والمستفيد الوحيد والمحرك المستقل لكل تلك المخالفات الضخمة، أم أنه أدى دور “الغطاء القانوني والسياسي” الذي تُمرر من تحته مصالح حيتان الفساد الكبار؟ وكيف لشخص واحد أن ينسج كل هذه الخيوط المعقدة بعيداً عن عين القانون والقضاء؟
التكييف القانوني: بين المسؤولية الفردية والمشاركة الجرمية
من الناحية الجنائية والقوانين العقابية النافذة، لا سيما أحكام قانون العقوبات العراقي رقم 111 لسنة 1969 المعدل وقانون هيئة النزاهة والكسب غير المشروع، يُكيف الفعل الجرمي بناءً على الأركان المادية والمعنوية. إذا ثبتت إدانة شخص بحجم عدنان الجميلي في قضايا استغلال الوظيفة العامة، أو التلاعب بالعقود، أو شواهد الإثراء غير المشروع، فإن المنظومة القانونية تُحاسبه باعتباره فاعلاً أصلياً أو شريكاً مباشراً في الجريمة.
غير أن التحليل القانوني الدقيق للظاهرة لا ينبغي أن يقف عند حدود “الفاعل المباشر” أو الشخص الظاهر في الواجهة. في جرائم الفساد المنظم والمتصل بالمؤسسات الحكومية، غالباً ما تبرز أدوار حيتان الفساد الذين يعملون في الظل ويتحركون خلف الستار. وهنا يكمن السؤال الجوهري: هل تُجسد حالة عدنان الجميلي ظاهرة “الموظف التنفيذي الصوري” الذي يتم تقديمه إلى واجهة الأحداث والرأي العام ليكون الشماعة أو “البُعبُع” الذي تتركز عليه الأضواء، بينما تبقى الشبكات التحتية والمحرضون الأصليون في أمان تام من الملاحقة؟
هل يستطيع فرد بمفرده السرقة بهذا الشكل؟
من المنظور المؤسساتي والإداري، يُعد القول بأن فرداً واحداً -مهما بلغت سطوته أو دهاؤه الإداري- يستطيع بمفرده نهب مبالغ ضخمة وتمرير عقود وملفات معقدة بمفرده، حجة تفتقر إلى المنطق القانوني السليم. إن دورة القرار في المؤسسات الحكومية تمر بسلسلة طويلة من اللجان: لجان دراسة وتحليل، لجان تدقيق مالي، لجان قانونية، وتواقيع متعددة تتوزع بين المستويات الإدارية المختلفة من الدرجات الخاصة إلى القيادات العليا.
إن نجاح أي عملية فساد بهذا الحجم يتطلب بيئة قائمة على التواطؤ الجمعي وتسهيل المعاملات. وبالتالي، فإن اختزال عملية معقدة في شخص عدنان الجميلي يعكس خللاً في قراءة ميكانيكية الفساد؛ فالسرقة بهذا الشكل لا تتم بجهد فردي، بل هي نتاج شبكة من المصالح المتبادلة وتوزيع الأدوار، حيث يقوم الفاعل المباشر بتنفيذ العمليات الميدانية بينما توفر له جهات نافذة الحماية والرعاية الإدارية مقابل حصص ومنافع متبادلة.
أين كان القانون والقضاء؟ وغياب الرقابة المبكرة
يطرح الشارع العراقي تسؤلاً مشروعاً: أين كانت الأجهزة الرقابية، والادعاء العام، والقضاء طوال فترة ارتكاب هذه المخالفات؟ ولماذا لم تُكشف هذه الملفات إلا بعد تفاقمها للعلن؟
لإجابة هذا السؤال من الناحية القانونية، يجب التمييز بين النص القانوني والبيئة التي يُطبق فيها. إن المنظومة التشريعية العراقية تحتوي على نصوص حازمة لمكافحة الفساد، إلا أن تفعيلها يصطدم بعقبات هيكلية وسياسية عدة:
التعقيد الإداري والتستر: تعتمد شبكات الفساد على إسباغ “الشرعية الشائبة” على معاملاتها، من خلال صياغة عقود ظاهرها القانون وباطنها الهدر المالي، مما يجعل اكتشافها يحتاج إلى تدقيق جنائي مالي متخصص يستغرق وقتاً طويلاً.
التأثير والضغوط السياسية: تُعاني الأجهزة الرقابية في كثير من الأحيان من ضغوط وموازنات سياسية تفرزها المحاصصة، حيث يُستخدم “الفيتو السياسي” لحماية شخصيات معينة أو تأجيل فتح ملفاتها إلى حين تغيّر موازين القوى.
ضعف آليات الإنذار المبكر: يعتمد التحريك القضائي غالباً على البلاغات والإخبارات أو تقارير ديوان الرقابة المالية، وهي آليات قد تتأخر في الوصول إلى الادعاء العام بسبب الروتين الإداري أو التكتم والمماطلة من داخل المؤسسات المتورطة.
نظرية “العباءة” وتجزئة المساءلة
تُظهر أدبيات القانون الجنائي السياسي أن قضايا الفساد الكبرى عندما تُختزل في شخص واحد، يُخشى أن يُستخدم ذلك لتكتيك يُعرف بـ”تجزئة المساءلة”. إن تصوير عدنان الجميلي كـ”بُعبُع” الفساد يخدم غرضين رئيسيين: تقديم قربان للرأي العام لإشباع المطالب الشعبية بالعدالة، وفي الوقت نفسه استخدام القضية كـ”عباءة” تُغطى بها الأطراف الحقيقية والشخصيات النافذة التي سهلت، وباركت، وشاركت في الأرباح من خلف الكواليس.
الخاتمة: حقيقة الدور وسلطة القانون
في المحصلة، لا ينبغي للمنظومة القانونية أن تقع في فخ الاختزال المبسط؛ فعدنان الجميلي—في ميزان العدالة والقانون—سواء ثبتت إدانته كعنصر رئيسي أو كأداة تنفيذية، لا يمثل سوى جزء من منظومة معقدة. إن تصويره بمفرده كـ”بُعبُع” يُغفل حقيقة أن الفساد لا ينمو إلا في ظلال الشبكات المحمية، ومطاردته بمعزل عن كبار النافذين تجعل منه العباءة التي تُغطي على القضايا الأكبر. فالعدالة الحقيقية وسيادة القانون لا تكتفي بقطع الأغصان الظاهرة أو المحاسبة الفردية، بل تتجه مباشرة لتفكيك البيئة المشجعة واجتثاث الجذور الممتدة في عمق المؤسسات.
التعليقات
لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!