RSS
2026-08-17 10:45:48

ابحث في الموقع

طريق التنمية.. الجدوى الاقتصادية والمعوقات الأساسية

طريق التنمية.. الجدوى الاقتصادية والمعوقات الأساسية
بقلم: نور الهدى سعد

يتمتع العراق بحكم موقعه الجغرافي أهمية استراتيجية جعلته تاريخياً نقطة التقاء بين الدول الخليج العربي ودول بلاد الشام وتركيا، وممراً محتملاً لحركة التجارة والنقل بين الشرق والغرب.

إلا أن هذا الموقع الجغرافي لم يتحول على مدى عقود إلى مورد اقتصادي للعراق واستراتيجي مستدام يتناسب مع أهمية موقع العراق، وفي ظل ما يشهده العراق من حروب واضطرابات أمنية وتحديات سياسية واقتصادية أثرت في بنيته التحتية وقدرته على الاندماج الفاعل بين الشبكات التجارة الإقليمية والدولية.

 فقد برز مشروع «طريق التنمية» بوصفه أحد أبرز المشاريع الاستراتيجية التي يسعى العراق من خلالها إلى إعادة توظيف موقعه الجغرافي وتحويله إلى ممر اقتصادي يربط الخليج العربي بتركيا ومنها إلى الأسواق الأوروبية. وعلى الرغم من أن فكرة ربط العراق بشبكات النقل والتجارة الإقليمية ليست جديدة، بأنها فكرة مطروحة في المنهاج الحكومي للحكومات المتعاقبة ومنها السيد حيدر العبادي وكذلك عادل عبد المهدي ومصطفى الكاظمي أما عن حكومة رئيس الوزراء السابق محمد شياع السوداني فأعادت تقديمها في إطار مشروع متكامل وأعلنت عنه رسمياً عام 2023، ليأخذ المشروع لاحقاً أبعاداً إقليمية تتجاوز حدود العراق.

وبالإضافة إلى ذلك اعادت الزيارة الأخيرة لرئيس مجلس الوزراء السيد علي فالح الزيدي إلى تركيا في 28 تموز 2026 التأكيد على الأهمية الاستراتيجية لطريق التنمية في مسار علاقات العراق مع جيرانه ولقد وصفها بـ”النهر الثالث”، إلا أن عملية تحويل هذا الطموح إلى واقع لا يعتمد على الاتفاقات السياسية وحدها، بل يواجه تحديات متعددة، حيث تتعلق بالبيئة الأمنية الداخلية، وعلاقات العراق المتشابكة مع جيرانه، وفضلاً عن البنية التحتية وقدرة الحكومة ومؤسساتها على حماية المشروع وإدارته بشكل يضمن استدامته واستقراره.

وبذلك فإن دراسة “مشروع طريق التنمية” لا ينبغي أن يقتصر على جدواه الاقتصادية أو مساره الجغرافي، وانما يستدعي النظر إليه بوصفه مشروعاً تتقاطع وتتشابك فيه الاعتبارات الاقتصاد والأمن والعلاقات العراق مع جواره وقدرة الدولة ومؤسساتها على إدارة مواردها لتحقيق نحاجه. وهنا تطرح المقالة تساؤلاً أساسياً يركز على: هل يمتلك العراق المقومات والقدرة على تنفيذ مشروع طريق التنمية؟ ظل التحديات الأمنية والإقليمية ومحدودية القدرة البنية التحتية على تحقيق أهدافه، وبالإضافة إلى تعدد مراكز القوة والنفوذ داخل الدولة وقراراتها.

 إذ يواجه مشروع طريق التنمية تحديات داخلية وخارجية قد تقوض قدرة العراق على تحويل موقعه الجيوسياسي إلى مصدر وقوة اقتصادية، والانتقال بالمشروع من مجرد تصور مستقبلي إلى مشروع واقعي قابل للتنفيذ. ومن هذه التحديات:

جاهزية البنية التحتية ومتطلبات تنفيذ مشروع طريق التنمية

يتمثل أحد أبرز التحديات الداخلية أمام تنفيذ مشروع طريق التنمية، مدى قدرة وجاهزية البنية التحتية العراقية لاستيعاب وتنفيذ متطلبات المشروع، إذا يتطلب تشغيله إنشاء وتطوير شبكة متكاملة من خطوط السكك الحديدية والطرق البرية والمنشأة اللوجستية، بما يسمح لمرور البضائع بكفاءة بين الخليج وأوروبا مروراً بالعراق. ولا تنحصر تحديات على مدى جاهزية البنية التحتية وقدرتها، بل تمتد إلى طبيعة التحولات الديموغرافية والتوسع العمراني الذي شهدته المدن العراقية خلال العقود الماضية.

فقد أدى النمو السكاني والتوسع الأفقي للمدن إلى تغيير الاستخدامات الأراضي الزراعية حيث تحولت إلى مناطق سكنية تعاني من الاكتظاظ، وفضلاً عن امتداد البناء إلى إجزاء من مسارات السكك الحديدية القديمة ومواقع التحتية والمنشأة المرتبطة بها. 

إشكالية العلاقة ما بين ما بين الحكومة الاتحادية والحكومات المحلية

أما على مستوى التوافق السياسي والمؤسسي، فإن الطبيعة الجغرافية لمشروع طريق التنمية، وامتداد مساره من جنوب العراق إلى شماله، تجعله مرتبطاً بدرجة عالية من التنسيق بين الحكومة الاتحادية وحكومة إقليم كردستان، فضلاً عن ضرورة تحقيق توافق بين الحكومة المركزية والحكومات المحلية في المحافظات التي يمر بها المشروع. ولا تقتصر أهمية هذا التوافق على الجوانب الإدارية والتنفيذية، بل تمتد إلى طبيعة القرارات السياسية المتعلقة بتخصيص الأراضي، وتنفيذ مشاريع البنية التحتية، وتوزيع المنافع الاقتصادية والتنموية الناجمة عن المشروع. كما أن استمرار المشروع على المدى الطويل يتطلب قدراً من الاستقرار في المواقف السياسية، في ظل إمكانية تأثر مساره بالتحولات في مواقف القوى والأحزاب السياسية الحاكمة، وبطبيعة المناخ السياسي الذي قد يشهد توترات أو خلافات دورية لأسباب متعددة. 

محدودية التمويل الحكومي للمشاريع الاستثمارية

أما على المستوى الوزاري والمالي، فتعد “وزارة النقل” من الوزرات الثانوية بالنسبة للأحزاب السياسية بالتالي ينعكس على حجم التخصيصات الحكومية الموجه أليها، ولاسيما عندما مقارنتها بالوزرات ذات الوزن المالي والسياسي الأكبر كوزارتي الخارجية والأمن والدفاع.

 وكما أن جزءاً مهماً من الأنفاق الوزاري يذهب إلى النفقات التشغيلية، للرواتب الموظفين والعمال النقل وهذا الأمر قد يضيق الحيز المالي للوزارة المتاح للإنفاق الاستثماري، ويواجه العراق كذلك تحدياً مالياً في ظل التوترات الإقليمية واضطراب حركة الملاحة في مضيق هرمز، ومع اعتماده الكبير على الإيرادات النفطية، مما يقوض التعامل مع الشركات الاستثمارية ولاسيما الأسيوية منها.

انعكاس القرار السياسي الداخلي على علاقاته الخارجية

 في الوقت ذاته يمكن الملاحظة مدى تأثر القرار السياسي الداخلي العراقي على قراراته الخارجية حيث نجد أن التفاهمات العراق الخارجية مع الشركات الاستثمارية العملاقة الأمريكية ومنها الأوربية، ترتبط بشكل مباشر بمدى الاستقرار والتوافق السياسي الداخلي، وأن أي تغيير في المواقف الحكومية أتجاه المشاريع الاستثمارية قد ينعكس على ثقة الشركات ودرجة الموثوقية في البيئة الاستثمارية الداخلية في العراق. وعلى سبيل المثال في فترة الحكومة السيد السوداني تم التعاقد مع شركة استثمارية تدعى “كوربورسيون أمريكا للطيران” هي شركة عالمية متخصصة في إدارة وتأهيل المطارات، لغرض تطوير مطار بغداد حسب المعايير والمواصفات العالمية، الا أن هذا المشروع أثيرت حوله ملفات فساد عديدة، عند مجيء السيد رئيس الوزراء علي الزيدي تم إلغاء التعاقد معها، نتيجة الخصومات والتنافس ما بين الأطراف السياسية الداخلية.

فإن هذه التغيرات في القرار السياسي الداخلي تنعكس على مدى ثقة الشركات الاستثمارية بالعمل داخل العراق ومدى الموثوقية بالبيئة الاستثمارية والقرار السياسي. 

ونعتقد بأن “مشروع طريق التنمية” يعد اختبارا حقيقاً لقدرة العراق على إدارة علاقاته مع جيرانه، الا لوجود سلاح خارج إطار الدولة يمثل أزمة الثقة، ويشكل عقبة أمام الدول المستثمرة والداخلة في المشروع، فأن الدول المشتركة لا تنظر إلى المشروع بكونه مسار تجاري، بل كرهان أمني واقتصادي، مستدام وهو ما يجعل القرار السيادي والخارجي رهيناً لقدرة الدولة بفرض وحدة قرارها الأمني والسياسي.

وبناء على هذه جملة التحديات، يمكن الإجابة على تساؤل المحوري للمقال: هل يمتلك العراق المقومات والقدرة على تنفيذ مشروع طريق التنمية؟ 

وتبرز المعطيات الأمنية والإدارية إلى جانب ضعف البنى التحتية للعراق والاضطرابات الإقليمية التي تشهدها المنطقة الشرق الأوسط والخليج العربي، أن المتطلبات هذا المشروع الضخم تتجاوز قدرات العراق الراهنة على الصعيدين العملي والاقتصادي، ولاسيما في ظل استمرار الفساد المالي والإداري وهيمنة والعلاقات الزبائنية للأطراف السياسية، وفضلاً عن هشاشة الأمن الداخلي ووجود سلاح خارج إطار الدولة، ضعف علاقات العراق الخارجية والتنسيق الاستراتيجي مع الدول المرتبطة بالمشروع طريق التنمية، ومنها الخليج وفي مقدمتها السعودية وسوريا وتركيا.

وعليه فإن إمكانية تحويل المشروع طريق التنمية إلى واقع يتطلب معالجة المعوقات التي تحد من قدرة العراق على توظيف موقعه الجغرافي إلى قوة اقتصادية وجيوسياسية، على الصعيد الداخلي فإن تحقيق التنمية السياسية والاقتصادية يرتبط بوجود بيئة داخلية أمنة ومستقرة، تحاول في كسب المستثمرين، وفي حال وجود السلاح خارج إطار الدولة يعرقل أي عملية تنمية وانفتاح اقتصادي، لذلك يعد حصر السلاح بيد الدولة وتعزيز وحدة القرار السياسي من أبرز متطلبات نجاح المشروع، وضرورة وجود تخطيط حكومي متكامل للبنية التحتية، وأجراء دراسة شاملة للمشروع مع الأخذ بعين الاعتبار للواقع العمراني والحضري في العراق، وكذلك وجود إرادة سياسية تتجاوز المكاسب الزبانية وتغلب المصلحة الوطنية.

أما على الصعيد الخارجي لذلك يحتاج العراق إلى تطوير علاقاته الإقليمية وتعزيز التعاون العابر للحدود مع الدولة المرتبطة بالمشروع طريق التنمية، وبشكل خاص دول الخليج وفي مقدمتها السعودية وكذلك سوريا وتركيا، لغرض تعزيز قدرة العراق الخارجية على بناء تفاهمات إقليمية تضمن انسيابية حركة التجارة القدرة على صياغة سياسة خارجية متوازنة تضمن الانفتاح الاقتصادي على المحيطين الأوروبي والآسيوي لمحاولة الاستفادة من موقعه الجيوسياسي إلى قوة والتأثير الاقتصادي.

المقالات لا تعبر عن وجهة نظر الوكالة، وإنما تعبر عن آراء كتابها
التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!