RSS
2026-09-18 13:00:14

ابحث في الموقع

مواسم رطبة بحلول قاصرة.. الإطلاقات المائية الأخيرة لن تنقذ العراق من قبضة التصحر

مواسم رطبة بحلول قاصرة.. الإطلاقات المائية الأخيرة لن تنقذ العراق من قبضة التصحر
تقف أزمة المياه في العراق عند مفترق طرق حرج، فبينما تتنفس المحافظات الجنوبية الصعداء مؤقتاً بزيادة الإطلاقات المائية وانتعاش الخزين الاستراتيجي، تبقى هذه القفزة مجرد مسكنات لواقع أعمق. فالبلاد تصارع تصحراً يلتهم أراضيها، وتدفع ثمن غياب اتفاقات دائمة مع دول الجوار، فضلاً عن إدارة تقليدية تتعامل مع المياه بعقلية الوفرة، وسط تجاوزات مستمرة تضع أمن البلاد الغذائي على المحك.

زيادة التدفقات المائية

ويقول عضو مجلس محافظة ذي قار أحمد فرحان الخفاجي، إن “وزارة الموارد المائية أقرت خطة لزيادة التدفقات المائية باتجاه المحافظة، مستفيدة من انتهاء موسم زراعة الشلب في المحافظات العليا”، متوقعاً “استقرار هذه المناسيب وتأمينها بشكل كامل بحلول منتصف تشرين الثاني 2026، بالتزامن مع انطلاق الخطة الزراعية الشتوية”.

ويضيف، أن “اتفاقاً رسمياً جرى بين وزارة الموارد المائية والحكومة المحلية في ذي قار على زيادة الإطلاقات المائية للمحافظة بواقع 60 متراً مكعباً في الثانية في حوضي دجلة والفرات، بهدف تعويض ذي قار لوقوعها في ذنائب الأنهر وتعرضها لحجم كبير من التجاوزات”.

أولويات توزيع المياه

وفي ما يتعلق بأولويات توزيع المياه، يبين الخفاجي، أن “الإدارة المتكاملة للمياه في العراق تعتمد تراتبية علمية صارمة، تتصدرها مياه الشرب والاستخدامات المنزلية والصحية بوصفها الأولوية القصوى وخطأ أحمر لا يمكن المساس به، لضمان استمرار تشغيل محطات الإسالة”.

ويتابع، أن “إنعاش الأهوار والزراعة يأتيان في المرتبة الثانية، وتخصيص حصة مائية إضافية ومنتظمة لأهوار الجبايش بهدف تحسين الواقع البيئي والحد من جفافها”، مشيراً إلى أن “الخزين الاستراتيجي للعراق حقق قفزة جيدة متجاوزا 31 مليار متر مكعب، وهذه الكمية تكفي لتأمين مياه الشرب وأهوار الجبايش وإنجاح خطة زراعية شتوية مقننة ومدروسة، لكنها لا تعني الوصول إلى الوفرة المطلقة”.

وعن المشاريع التي تحتاجها ذي قار، يوضح عضو مجلس المحافظة، أن “مشروعي غراف 1 وغراف 2 يقعان في مقدمة أولويات المشاريع المائية لتنظيم وإرواء مساحات شاسعة في المحافظة”.

ويؤكد الخفاجي “الحاجة لمشاريع الإدارة الذكية والتحول الرقمي، عبر تطوير منظومة رصد متكاملة لقياس المياه السطحية والجوفية باستخدام تقنيات الاستشعار عن بعد والعدادات الذكية، بما يحد من الهدر المائي في المحافظة، فضلاً عن مشاريع الري المغلق وتبطين قنوات الري”.

وفي 26 تموز، انتقل ملف التعاون المائي مع تركيا إلى مسار تنفيذي جديد، إذ قررت الحكومة العراقية تفعيل الاتفاق الإطاري العراقي التركي بشأن المياه، وإدخال آلية تمويل المشاريع المشمولة بالاتفاق حيز التنفيذ اعتباراً من الأول من أيلول 2026، بحسب بيان للحكومة العراقية.

زيادة مائية مؤقتة

من جهته، يقول الخبير في مجال المياه تحسين الموسوي، إن “الزيادة الحالية في الإطلاقات المائية الواصلة إلى حوضي دجلة والفرات تعد أمراً طبيعياً، لكنها مؤقتة نتيجة ذوبان الثلوج وامتلاء السدود التركية، فضلاً عن امتلاء السدود السورية، حيث إن الإطلاقات على حوض الفرات وصلت حالياً إلى نحو 1200 متر مكعب في الثانية”.

ويلفت إلى أن “سد حديثة لم يمتلئ بالكامل، وكذلك بحيرة الحبانية، فيما لا يزال الخزين المائي في العراق لا يدعو إلى التفاؤل الكبير، والأزمة قد لا تكون حاضرة في الوضع الحالي، لكن ذلك يبقى مشروطاً بإبرام اتفاق يحدد حصة العراق المائية”.

ويتساءل الموسوي عن “جدوى زيادة الإطلاقات الحالية إذا عادت تركيا لاحقاً إلى تقليل المياه، كما حصل في مواسم سابقة وصلت فيها الأمور إلى قطع المياه، كما وصل العراق خلال عام 2025 إلى نحو ملياري متر مكعب في أسوأ مرحلة في تاريخه، حتى إنه واجه عجزاً في مياه الشرب لولا هطول نسبة من الأمطار”.

وفي 18 تموز، كشفت بيانات وتقارير بيئية عن اتساع رقعة التصحر وتراجع المساحات الزراعية والغطاء النباتي في العراق، وسط تحذيرات من أن أكثر من 75 بالمئة من مساحة البلاد أصبحت متصحرة أو مهددة بالتصحر، في ظل أزمة مائية وارتفاع معدلات الملوحة والجفاف، بما يمد آثار الظاهرة إلى الأمن الغذائي والمائي والاجتماعي.

وقدر مرصد العراق الأخضر نسبة الأراضي المتصحرة بنحو 55 بالمئة من مساحة العراق، فيما بلغت الأراضي المهددة بالتصحر نحو 23.2 بالمئة، ما يعني أن نحو 78 بالمئة من مساحة البلاد أصبحت إما متصحرة فعليا أو تواجه خطر التحول إلى أراض متدهورة خلال السنوات المقبلة في حال عدم اتخاذ إجراءات عاجلة.

سنة رطبة وإدارة متخلفة

ويشير الموسوي إلى أن “التنبؤات كانت تتحدث عن استمرار أزمة الجفاف حتى عام 2030، إلا أن تغير المناخ لا يعني بالضرورة استمرار الجفاف، إذ قد ينتج عنه أيضاً سيول وفيضانات، فيما تشير التنبؤات الحالية إلى أن السنة الحالية أو المقبلة قد تكون رطبة”.

ويردف، أن “العراق، رغم المتغيرات التي طرأت على ملف المياه، لا يزال يتعامل معه بعقلية القرن العشرين، في وقت تغير فيه الوضع المائي عالمياً، مع ارتفاع الطلب وانخفاض العرض نتيجة عوامل عدة، من بينها تغير المناخ وزيادة أعداد السكان، ما أدى إلى تغير ميزان المياه”.

وتوصل العراق مع الجانب التركي إلى اتفاق أسفر عن رفع إطلاقات نهر دجلة من 114 إلى 212 متراً مكعباً في الثانية، إلا أن هذه الكمية بقيت دون المستوى المطلوب. أما في حوض الفرات، فكانت الواردات الواصلة إلى سوريا من تركيا تبلغ نحو 370 متراً مكعباً في الثانية، بينما لا تتجاوز الكمية التي تعبر الحدود السورية إلى العراق 141 متراً مكعباً في الثانية، في وقت يفترض أن تبلغ حصة العراق 58 بالمئة من الإطلاقات التركية إلى الفرات.

وخلال العقود الثلاثة الماضية، فقد العراق ما بين 15 و30 بالمئة من أراضيه الزراعية بفعل عوامل متراكمة، في مقدمتها التصحر وتدهور التربة والرعي الجائر وانخفاض الموارد المائية، بينما بلغت نسبة التصحر في الأراضي المروية، التي كانت تعد من أكثر المناطق تضررا، نحو 71 بالمئة.

رسائل من عقلية الوفرة

ويرفض الخبير الموسوي الرسائل المطمئنة بشأن الوضع المائي، مستدلاً بارتفاع الغازات والغيوم الدخانية المرتبطة باختفاء الغطاء الأخضر نتيجة تجريف الأراضي والتصحر الناجم عن شح المياه.

ويلفت إلى أن “مساحة أهوار العراق تتجاوز 20 ألف كيلومتر مربع، فيما أن الحديث عن تجاوز نسبة الإغمار 50 بالمئة يتعلق بمساحة محدودة قد تبلغ نحو خمسة آلاف كيلومتر مربع أو أقل، وليس كامل مساحة الأهوار”، محذراً أن “تداعيات تراجعها لا تقتصر على العراق، بل تمتد إلى المنطقة”.

ويواصل الموسوي، أن “ارتفاع العواصف الغبارية والتصحر في العراق قد يسبب أضراراً لدول الجوار، من بينها إيران والكويت، لذا نرفض إرسال رسائل مطمئنة في ظل استمرار التعامل مع المياه وفق عقلية الوفرة”.

ويردف، أن “مرحلة الوفرة كانت عندما لم يتجاوز عدد السكان بين 10 و15 مليون نسمة، وكانت الإطلاقات الواصلة عبر حوضي دجلة والفرات ونهر الكرخة والكارون والروافد الأخرى، إلى جانب الساقطات الداخلية، تصل في كل موسم إلى نحو 80 أو 90 مليار متر مكعب، مع استمرار الإطلاقات من الجانبين التركي والإيراني”.

جفاف موارد مائية

ويفيد الموسوي، أن “بعض تلك الموارد المائية شهد انقطاعاً تاما، فيما جف نهرا الكرخة والكارون بالكامل، بالتزامن مع ارتفاع اللسان الملحي، لذا استمرار التعامل بالطرق القديمة يظهر أيضاً في ارتفاع الملوثات في المياه نتيجة انخفاض كمياتها”.

أما بشأن الإطلاقات الحالية المتجهة عبر حوض الفرات من تركيا مروراً بسوريا، فيوضح الموسوي، أنها “بلغت نحو 1200 متر مكعب في الثانية، لكن حتى في حال وصولها إلى 1500 متر مكعب في الثانية، فإنها تبقى أقل بكثير من مستويات مرحلة الوفرة، حين استقبل سد حديثة أكثر من ستة آلاف متر مكعب في الثانية وكانت الأوضاع طبيعية”.

ويخلص الخبير المائي إلى أن “التحذيرات الحالية من تجاوز المياه ضفاف النهر، بالتزامن مع تحذيرات وزارة الموارد المائية من موجة لا تتجاوز 1200 متر مكعب في الثانية، ترتبط بالتجاوزات على حوض النهر وكثرة الترسبات، وليس بكون الإطلاقات الحالية مرتفعة مقارنة بمستويات السنوات الماضية أو القرن الماضي”.

وتشمل الاتفاقية الإطارية مع تركيا تنفيذ مشاريع لتحسين نوعية المياه والحد من تلوث الأنهار، وتطوير أساليب الري واستخدام تقنيات الري الحديثة واستصلاح الأراضي الزراعية، إلى جانب مشاريع تتعلق بحوكمة إدارة المياه في العراق وترشيد استخدامها.



المصدر: العالم الجديد
كرار الاسدي

كرار الاسدي

كاتب في وكالة نون الخبرية

التعليقات

لا توجد تعليقات بعد. كن أول من يعلق!